
| مقالات اقتصادية
“الحاراتي”: الأقاليم الاقتصادية في ليبيا: أدوات للتنمية أم جدل خارج الإطار القانوني؟
كتب: المستشار القانوني “هشام الحاراتي” مقالاً
في خضم الجدل الدائر حول ما يُعرف بالأقاليم الاقتصادية أو تجمعات البلديات، ينبغي الانطلاق من قاعدة قانونية بسيطة مفادها أن تنظيم الدولة لا يتم بالبيانات أو الشعارات أو ردود الأفعال، وإنما وفق النصوص القانونية والمؤسسات المختصة.
فقد أجاز قانون الإدارة المحلية رقم (59) لسنة 2012، من حيث المبدأ، إنشاء أقاليم اقتصادية ذات طابع تخطيطي وتنموي، ولم يتحدث عن أقاليم سياسية أو كيانات موازية للدولة.
كما حدد لها أهدافاً تنموية تتعلق بالتخطيط وإعداد الدراسات واقتراح المشروعات المشتركة التي تتجاوز الحدود الإدارية للوحدات المحلية. كذلك رسم القانون مساراً واضحاً لإنشائها يبدأ بالمقترحات الفنية المختصة وينتهي بقرار يصدر عن مجلس الوزراء وفق الإجراءات المحددة قانوناً.
وعليه، فإن أي حديث عن إقليم اقتصادي يجب أن يُفهم في إطار هذا المسار القانوني والمؤسسي، لا باعتباره واقعاً مفروضاً أو بديلاً عن الدولة أو عن النظام الإداري العام.
وفي تقديري، فإن الإشكال الأعمق لا يتعلق بفكرة الإقليم التنموي في حد ذاتها، وإنما بغياب الاستقرار الدستوري والإداري الذي يفترض أن تعمل هذه الأدوات في إطاره. فالتنمية ليست مجرد مشروعات متفرقة، بل هي نتاج رؤية وطنية واضحة، وهيكل إداري مستقر، واختصاصات محددة، وعلاقات متوازنة بين السلطة المركزية والإدارة المحلية.
وقد عرفت ليبيا خلال مراحل سابقة أقاليم تخطيطية لأغراض التنمية وإعداد المخططات المكانية والاقتصادية، ولم تكن تلك الأقاليم كيانات سياسية أو مراكز سلطة مستقلة، بل أدوات فنية لتنظيم التخطيط وتحقيق التكامل بين المناطق.
لذلك، فإن النقاش الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل الليبيين اليوم لا يتمثل في الصراع حول المسميات، وإنما في كيفية بناء دولة مستقرة دستورياً ومؤسسياً. فالدستور هو الذي يحدد شكل الدولة، ويضبط توزيع الاختصاصات، ويرسم الإطار العام للإدارة المحلية والتنمية المكانية. أما الخوض في ترتيبات إدارية كبرى قبل استكمال هذا الإطار، فإنه غالباً ما يؤدي إلى مزيد من الجدل والارتباك أكثر مما يفضي إلى حلول عملية.
فالتنمية تحتاج إلى قانون، والقانون يحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى مرجعية دستورية مستقرة. وما عدا ذلك يبقى اجتهادات متفرقة قد تثير نقاشاً واسعاً، لكنها لا تبني دولة ولا تصنع تنمية مستدامة.



