Skip to main content
"حلمي القماطي": البيان الصادر عن المركزي مرحب، ودائع مقيدة أم تأجيل للأزمة؟ أداة المصرف الجديدة أقصد
|

“حلمي القماطي”: البيان الصادر عن المركزي مرحب، ودائع مقيدة أم تأجيل للأزمة؟ أداة المصرف الجديدة أقصد

كتب: أستاذ الاقتصاد “د.حلمي القماطي” مقالاً

في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في أدوات السياسة النقدية أعلن مصرف ليبياالمركزي اعتماد منتج الوديعة المقيدة بالدينار الليبي مقابل منح أولوية مستقبلية للحصول على النقد الأجنبي.

ورغم الطابع الفني الذي يغلّف القرارإلا أن جوهره يتجاوز كونه أداة مصرفية إلى كونه محاولة لإعادة تشكيل العلاقةبين السيولة المحليةوسوق الصرف في اقتصاد يعاني اختلالات هيكلية عميقة.

ببساطة

يقوم هذا المنتج على تجميد أموال بالدينار لمدة اثني عشر شهراًمقابل حق لاحق في شراء النقد الأجنبي بالسعر الرسمي بنسبة تصل إلى 50%–60% من قيمة الإيداع.

هذا التصميم يكشف عن منطق اقتصادي واضح امتصاص السيولة الفائضة اليوم مقابل تأجيل الطلب على الدولار إلى الغد .

وهو ما يمكن وصفه كأداة تحويل زمني لسعر الصرف أو كعقد ضمني مؤجل على العملة الأجنبية تديره السلطة النقدية بشكل إداري.

لا شك أن لهذا التوجه بعض المزايا التكتيكيةففي ظل تضخم الكتلة النقدية وارتفاع الاعتماد على النقد خارج الجهاز المصرفي يمكن لهذه الأداة أن تسهم في سحب جزءمن السيولةوإعادة توجيهها إلى البنوك بمايخفف من الضغط الآني على سوق النقد الأجنبي ويحدّ من نشاط السوق الموازي مؤقتاً.

كما أنها تمنح المصرف المركزي هامشاً زمنياً لإدارة التوازنات النقدية وهو أمر بالغ الأهمية في بيئة تتسم بعدم اليقين غير أن التقييم الاقتصادي الأعمق يكشف عن إشكاليات جوهرية قد تفوق مكاسبها قصيرة الأجل أخطر هذه الإشكاليات يتمثل في خلق طلب مؤجل وضخم على النقد الأجنبي فكل ديناريتم تجميده اليوم سيُترجم بعد عام إلى طلب فعلي على الدولارما يعني أن المصرف المركزي لا يلغي الضغط على سعر الصرف بل يعيد جدولته زمنياً.

وفي حال كان حجم المشاركة في هذا المنتج كبيراًفإن ذلك قد يخلق موجة طلب مستقبلية تتجاوز قدرة الإيرادات النفطية على الاستيعاب مما يضع الاحتياطيات الأجنبية تحت ضغط حاد.

إضافة إلى ذلك
يفتح هذا المنتج الباب أمام سلوك مضاربي شبه مضمون في ظل الفجوة القائمة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي .

إذ يمكن للمستفيدين تحقيق أرباح عبر شراء الدولار بالسعر الرسمي لاحقاً وإعادة بيعه في السوق وهوما يحوّل الأداة من وسيلة استقرار إلى محفّز للمضاربة ويقوّض الهدف الأساسي منها.

الأمر الأكثر دلالة هو أن هذه الخطوة تعكس بشكل ضمني محدودية فعالية الأدوات التقليدية للسياسة النقدية في السياق الليبي فبدلاً من معالجة جذور الأزمة المتمثلة في اختلال هيكل الاقتصاد الريعي وتضخم الإنفاق العام والاعتماد المفرط على الواردات يتم اللجوء إلى أدوات تركز على إدارة السيولة والطلب النقدي فقط وهذا يعني جوهر المشكلة يظل قائماً بينمايتم التعامل مع أعراضها بصورة مرحلية كما أن هذا المنتج ينقل المصرف المركزي إلى دور أقرب لما يمكن تسميته بمتعهد صرف حيث يصبح ملتزماً فعلياً بتوفير النقد الأجنبي في المستقبل وهو ما يمثل تشابكاً غير مريح بين السياسة النقدية والالتزامات شبه المالية ويزيد من حساسية المؤسسة النقدية لمخاطر الثقة فنجاح هذه الأداة يعتمد بالكامل على ثقة الجمهور في قدرة المصرف على الوفاء بالتزاماته وأي اهتزاز في هذه الثقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

إن هذه الأداة قد تحقق نجاحاً تكتيكياً على المدى القصير من خلال تهدئة السوق وسحب السيولة لكنها تنطوي على مخاطر استراتيجية مرتفعة إذا لم تُرافق بإصلاحات أعمق في المالية العامة وهيكل الاقتصاد فالاستقرار النقدي الحقيقي لا يُبنى عبر تأجيل الطلب على العملة الأجنبية بل عبر خلق اقتصاد إنتاجي قادر على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي.

ما يطرحه مصرف ليبيا المركزي اليوم ليس حلاً نهائياً لأزمة سعر الصرف بل هو محاولة لإعادة توزيعها عبر الزمن وقد يكون هذا مفهوماً في سياق إدارة الأزمات لكنه يظل رهيناً بمدى قدرة صانع السياسة على استغلال هذا (الوقت المشتَرى) لتنفيذ إصلاحات حقيقية أما في غياب ذلك فإن الاستقرار المؤقت قد يتحول إلى ضغط أعنف في المستقبل.

مشاركة الخبر