Skip to main content
"البوري": سوء التخطيط وسوء الإدارة في أسوأ صورهما
|

“البوري”: سوء التخطيط وسوء الإدارة في أسوأ صورهما

كتب: الخبير المصرفي “نعمان البوري” مقالاً

في عام 2018، تعاقدت الشركة العامة للكهرباء مع شركة يونانية لإنشاء محطة كهرباء في مدينة طبرق بقدرة إنتاجية تبلغ 780 ميجاوات. ويتكون المشروع من أربع توربينات غازية بإجمالي قدرة مركبة تبلغ 780 ميجاوات، فيما بلغت القيمة الإجمالية للعقد، والتي شملت الأعمال المدنية والتركيب والتشغيل، حوالي 400 مليون دولار أمريكي.

واليوم، أصبحت المحطة مكتملة، وتم تركيب جميع التوربينات الأربعة. إلا أن عنصرين أساسيين تم إغفالهما خلال مرحلة التخطيط للمشروع.

أولاً، لم توفر الشركة العامة للكهرباء التمويل الإضافي المطلوب، والبالغ 50 مليون دولار أمريكي، لاستكمال المشروع من خلال زيادة سعة خزانات الوقود، واستكمال محطة GIS، وإنشاء المبنى الواقي للمحطة، إضافة إلى مبنى الإدارة وغرفة التحكم. وقد ترتب على ذلك أن سعة تخزين الوقود الحالية تكفي لتشغيل توربينين فقط من أصل أربعة توربينات تم تركيبها، مما يعني أن نصف القدرة الإنتاجية للمحطة لا يمكن الاستفادة منها.

ثانياً، لم تستكمل الشركة تنفيذ خط النقل الكهربائي بجهد 400 كيلوفولت الممتد من طبرق إلى محطة المراوة، ثم إلى سيدي حمري لربطه بالشبكة الكهربائية الوطنية. ونتيجة لذلك، لا تستطيع شبكة النقل الحالية استيعاب أكثر من 200 ميجاوات، رغم أن القدرة المركبة للمحطة تبلغ 780 ميجاوات. وبناءً على ذلك، تعمل المحطة حالياً بما لا يتجاوز 25% من قدرتها الإنتاجية، بينما تبقى بقية القدرة معطلة.

والأكثر إثارة للاستغراب أن تكلفة استكمال خط النقل تُقدَّر بما لا يتجاوز 40 مليون دولار أمريكي. ومع تنفيذ هذا الخط بالشكل المناسب، سترتفع قدرة نقل الطاقة إلى حوالي 1 جيجاوات، وهو ما يكفي ليس فقط لنقل كامل إنتاج محطة طبرق، بل أيضاً لتوفير سعة إضافية لاستيعاب أي توسعات مستقبلية في إنتاج الكهرباء.

وبعبارة أخرى، فإن استثماراً إضافياً يتراوح بين 90 و100 مليون دولار أمريكي كان سيُمكّن البلاد من الاستفادة الكاملة من 780 ميجاوات من القدرة الإنتاجية المركبة، مع توفير طاقة استيعابية إضافية للمستقبل.

تمثل هذه الحالة مثالاً واضحاً على الكيفية التي يمكن أن يؤدي بها ضعف التخطيط وسوء إدارة المشاريع إلى تقويض استثمار ضخم في البنية التحتية. ففي الوقت الذي تعاني فيه ليبيا من عجز حاد في إنتاج الكهرباء وانقطاعات متكررة للتيار، نجد أن محطة كهرباء جديدة تعمل بربع طاقتها فقط، بسبب عدم استكمال البنية التحتية الأساسية اللازمة لتشغيلها بكامل قدرتها.

والنتيجة هي أنه، بعدم استثمار ما يقارب 25% إضافية من تكلفة المشروع، فإن البلاد لا تستفيد اليوم إلا من 25% فقط من القيمة الفعلية لاستثمار بلغت قيمته 400 مليون دولار أمريكي.

فهل يمكن وصف ما حدث بأنه مجرد سوء تخطيط وسوء إدارة؟ أم أنه يعكس خللاً أعمق في الطريقة التي تُخطط بها مشاريع البنية التحتية الكبرى، وتُنسق، وتُنفذ؟

مشاركة الخبر