
| مقالات اقتصادية
الشلوي: هل انخفضت إيرادات النفط فعلاً في 2026؟ أم أن المقارنة بين الرقمين هي التي تحتاج إلى مراجعة؟
كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً
مع كامل الاحترام للدكتور عطية الفيتوري، فإن التساؤل الذي طرحه حول انخفاض الإيرادات النفطية خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، رغم ارتفاع أسعار النفط، هو تساؤل مهم ويستحق إجابة واضحة بالأرقام.
لكنني أعتقد أن مفتاح الإجابة يكمن في نقطة محاسبية وفنية أساسية: هل الرقمان اللذان نقارنهما يمثلان الشيء نفسه وبالأساس المحاسبي نفسه ؟
بالعودة إلى بيانات مصرف ليبيا المركزي المرفقة، نجد أن إجمالي الإيرادات النفطية والإتاوات خلال يناير – أغسطس 2025 بلغ نحو :
15.837 مليار دولار
بينما بلغ في الفترة نفسها من 2026 نحو :
15.190 مليار دولار ..
أي أن المقارنة السطحية تعطي انطباعاً بانخفاض قدره نحو 647 مليون دولار ..
وهنا يبدأ اللغز ..
فكيف يمكن أن تنخفض الإيرادات، بينما كانت أسعار النفط خلال جزء كبير من 2026 أعلى بوضوح من مستويات 2025 ؟
الإجابة في رأيي ليست بالضرورة أن هناك إيرادات نفطية ( اختفت ) ، وإنما أن طريقة معالجة إيرادات النفط وتمويل المحروقات تغيرت ..
الدليل موجود في الجدولين نفسيهما ..
في بيان 2025 يظهر ضمن استخدامات النقد الأجنبي بند مستقل للمحروقات بقيمة :
2.057 مليار دولار ..
أي أن قيمة مبيعات النفط كانت تظهر ضمن الإيرادات، ثم تظهر المحروقات لاحقاً ضمن استخدامات النقد الأجنبي ..
أما في 2026 فنجد أن بند المحروقات في استخدامات النقد الأجنبي لدى مصرف ليبيا المركزي أصبح :
صفر ..
وهذا الرقم لا يعني أن ليبيا لم تعد تدفع ثمن المحروقات، وإنما يعني أن طريقة تمويلها تغيرت ..
وهنا تأتي المعلومة الحاسمة من تقرير ديوان المحاسبة : فقد أشار الديوان إلى إنهاء العمل بنظام المبادلة في 12 فبراير 2026 والانتقال إلى تمويل توريد المحروقات عن طريق الاعتمادات المستندية وتغطيتها من الإيرادات النفطية. كما بلغ إجمالي تكلفة توريد المحروقات خلال يناير – يوليو 2026 نحو 6.122 مليار دولار ..
وهذه نقطة جوهرية في تفسير الفرق ..
فإذا كانت قيمة المحروقات تُخصم من الإيراد النفطي قبل أن يصل صافي العائد إلى مصرف ليبيا المركزي، فإن مقارنة الرقم الذي وصل إلى المركزي في 2026 بالرقم الذي كان يصل إليه في 2025 قبل ظهور المحروقات في جانب الاستخدامات، ستكون مقارنة بين رقمين غير متجانسين محاسبياً ..
وبالتالي فإن السؤال :
( أين ذهبت بقية إيرادات النفط؟ )
قد يكون من الأدق أن يصاغ هكذا :
( كم بلغت قيمة النفط المصدّر إجمالاً، وكم خُصص منه للمحروقات، وكم حُصّل فعلياً، وكم حُوّل في النهاية إلى مصرف ليبيا المركزي؟ )
وهذه أربعة أرقام مختلفة وليست رقماً واحداً ..
وهنا تظهر أهمية بيانات ديوان المحاسبة ..
خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، أظهر تقرير ديوان المحاسبة أن القيمة الإجمالية للصادرات النفطية بلغت نحو 18.46 مليار دولار، بينما بلغ المحصل لدى المصرف الليبي الخارجي نحو 15.789 مليار دولار، والمبالغ المحالة إلى مصرف ليبيا المركزي نحو 11.16 مليار دولار. وفي المقابل بلغت تكلفة المحروقات نحو 6.122 مليار دولار ..
هذه الأرقام وحدها تكفي لكي نعرف أن الرقم الذي يظهر في حساب مصرف ليبيا المركزي ليس بالضرورة هو نفسه قيمة النفط الذي تم تصديره وبيعه ..
وهنا أجد نفسي أميل إلى جوهر التحليل الذي يقول إن انخفاض الرقم الظاهر في بيان المركزي لا يعني بالضرورة انخفاض الإيراد النفطي الحقيقي ..
لكنني أتحفظ على القفز مباشرة إلى القول إن الزيادة الصافية بلغت ( 3 مليارات دولار ) دون إجراء مطابقة كاملة ؛ لأن ذلك يحتاج إلى توحيد بيانات الصادرات والتحصيل والمحروقات والتوقيت والتسويات بين الجهات المختلفة ..
ومع ذلك، هناك نتيجة واضحة ..
لو قارنا الأرقام دون الانتباه إلى تغير طريقة المعالجة، سنصل إلى استنتاج يبدو منطقياً حسابياً لكنه قد يكون خاطئاً اقتصادياً :
2025 = 15.84 مليار دولار
2026 = 15.19 مليار دولار
إذن الإيرادات انخفضت ..
وهذه النتيجة ليست كافية ..
فالرقم الصحيح الذي ينبغي أن نبحث عنه ليس فقط ( كم دخل إلى حساب المركزي ؟ ) وإنما ( كم حقق النفط إجمالاً، وما الذي خصم منه قبل التحويل، وما الذي وصل فعلياً إلى حسابات الدولة ؟ )
بل إن بيانات 2026 نفسها تكشف أن تكلفة المحروقات أصبحت جزءاً مهماً من هذه المعادلة، بينما لم تكن تظهر بالطريقة نفسها في جدول استخدامات النقد الأجنبي لدى المركزي في 2026 ..
لذلك، في رأيي، لا توجد أمامنا حتى الآن قرينة كافية للقول إن إيرادات النفط انخفضت رغم ارتفاع الأسعار
الأصح أن نقول :
إن الرقم الظاهر في بيان مصرف ليبيا المركزي انخفض قليلاً ، لكن طريقة تسجيل وتحويل الإيراد النفطي تغيرت، وبالتالي لا يجوز اعتبار هذا الانخفاض دليلاً تلقائياً على انخفاض الإيراد النفطي نفسه ..
والحسم النهائي يحتاج إلى جدول واحد بسيط وواضح من الجهات المعنية يوضح :
إجمالي قيمة النفط المصدر
− تكلفة المحروقات
− أي تسويات أو خصومات أخرى
= صافي الإيراد النفطي المحول إلى مصرف ليبيا المركزي ..
عندها فقط نستطيع أن نجيب بصورة نهائية عن السؤال الذي طرحه الدكتور الفيتوري :
أين ذهبت بقية إيرادات النفط ؟
أما وفق الأرقام المتاحة حالياً، فهناك تفسير قوي ومسنود بالأرقام يقول إن جزءاً كبيراً من الفرق الظاهر لا يمثل إيرادات مفقودة، وإنما إيرادات تغير مسارها المحاسبي والمالي بسبب تغير آلية تمويل المحروقات ..
وهذا لا يعني أن كل شيء واضح أو أن البيانات لا تحتاج إلى مزيد من الإفصاح ؛ بالعكس، أعتقد أن المطلوب الآن هو المطابقة بين المؤسسة الوطنية للنفط، والمصرف الليبي الخارجي، ومصرف ليبيا المركزي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة ..
فالشفافية الحقيقية ليست في نشر رقم واحد، وإنما في أن نستطيع تتبع الدولار النفطي من لحظة تصدير البرميل إلى لحظة وصول صافي عائده إلى حساب الدولة ..
وهنا تحديداً أعتقد أن الإجابة عن ( لغز الإيرادات ) تصبح أقرب إلى الحسابات منها إلى التخمين ..



