Skip to main content
"الشلوي": حوض غدامس والغاز العابر للحدود.. ملف سيادي يستحق التدقيق الليبي
|

“الشلوي”: حوض غدامس والغاز العابر للحدود.. ملف سيادي يستحق التدقيق الليبي

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

في خضم النقاشات المتزايدة حول الحدود البحرية والحقوق الاقتصادية لليبيا في شرق المتوسط وغربه، من المهم ألا تغيب عن الاهتمام الوطني الملفات البرية، ولا سيما ما يتعلق بحوض غدامس والموارد الهيدروكربونية الممتدة في المنطقة الحدودية بين ليبيا والجزائر.

فالقضية هنا لا تقتصر على ترسيم الحدود، بل تمتد إلى كيفية إدارة المكامن المشتركة، وضمان الحقوق الإنتاجية لكل دولة، وحماية الثروة الطبيعية من أي استغلال قد لا تتناسب عوائده مع الحقوق السيادية للدولة المعنية.

حوض غدامس: ثروة تتجاوز الحدود السياسية

تشير الدراسات الجيولوجية إلى أن حوض غدامس من الأحواض النفطية والغازية المهمة في شمال أفريقيا، ويمتد عبر أجزاء من ليبيا والجزائر وتونس، وتبرز في هذا السياق حقول الوفاء الليبي والرار الجزائري، ضمن منظومة جيولوجية حدودية تستحق دراسة متكاملة للمكامن والاحتياطيات ومعدلات الإنتاج.

وتكمن أهمية هذا الملف في أن الحدود السياسية لا تتطابق بالضرورة مع الحدود الجيولوجية للمكامن؛ فقد يمتد المكمن الواحد عبر أراضي دولتين أو أكثر، بما يستوجب ترتيبات فنية وقانونية واضحة تضمن حقوق كل طرف، استناداً إلى البيانات الجيولوجية والهندسية الفعلية.

الغاز الليبي وشبكات التصدير الجزائرية

تتمتع الجزائر بمنظومة متقدمة لتصدير الغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية، عبر خط ترانسميد (TransMed)، الذي يمر بتونس وصولاً إلى إيطاليا، وخط ميدغاز (Medgaz)، الذي يربط الجزائر بإسبانيا مباشرة.

وتبلغ الطاقة الاسمية لخط ترانسميد نحو 33–35 مليار متر مكعب سنوياً، فيما تبلغ الطاقة الاستيعابية لميدغاز نحو 10.5–14 مليار متر مكعب سنوياً، وفقاً للمصدر والسعة التشغيلية المعتمدة.

وتمنح هذه البنية التحتية الجزائر قدرة استراتيجية على تلبية الطلب الأوروبي وتعزيز إيراداتها من الغاز. غير أن وجود هذه الشبكات، بحد ذاته، لا يثبت أن الغاز المصدر عبرها مستخرج من مكامن ليبية؛ فذلك يحتاج إلى تتبع مصادر الإنتاج وبيانات الآبار والتدفقات.

هل يجري استنزاف مكامن ليبية عبر الحدود؟

تتداول بعض الطروحات فرضية استغلال الغاز الممتد تحت الحدود الليبية الجزائرية، بما في ذلك الادعاء باستخدام الحفر الأفقي منذ عام 2012 لاستخراج الغاز من الجانب الليبي؛ وهي فرضية، إن ثبتت فنياً، ستكون ذات أهمية اقتصادية وسيادية كبيرة، لكنها تحتاج إلى أدلة فنية منشورة أو نتائج تحقيق متخصص قبل اعتمادها حقيقة مؤكدة.

وفي المقابل، توجد وقائع تستحق المتابعة؛ فقد أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط وشركة سوناطراك الجزائرية في أبريل 2026 اكتشافاً للنفط والغاز في منطقة غدامس الليبية، ضمن منطقة التعاقد 95/96، على بعد نحو 70 كيلومتراً من حقل الوفاء. وبلغ العمق النهائي للبئر الاستكشافية A1-69/02 نحو 8,440 قدماً، فيما سجلت اختبارات الإنتاج 13 مليون قدم مكعبة من الغاز و327 برميلاً من المكثفات يومياً، وجاء ذلك ضمن اتفاق استكشاف وإنتاج موقع عام 2008، تشارك فيه سوناطراك وشركتان هنديتان.

وتؤكد هذه البيانات أن النشاط الاستكشافي في المنطقة الحدودية قائم فعلاً، وأن من الضروري امتلاك ليبيا قاعدة معلومات متكاملة عن مكامنها وامتداداتها وإنتاجها، مع التمييز بين النشاط المشروع بموجب العقود المبرمة وبين أي استغلال محتمل خارج الأطر القانونية.

ما الذي ينبغي على ليبيا فعله؟

أرى أن من المناسب أن تتولى الدولة الليبيه بالتنسيق مع الجهات السيادية والقانونية والتنفيذية المختصة، إعداد ملف فني واقتصادي متكامل يشمل:

  • مراجعة بيانات الآبار وإحداثياتها وأعماقها واتجاهاتها، والتحقق من أي ادعاءات بشأن الحفر الأفقي العابر للحدود.
  • إعداد دراسة مكمنية مشتركة لحوض غدامس، تتضمن تقديرات الاحتياطيات ومعدلات الإنتاج والضغط والإنتاج التراكمي في الحقول الواقعة على جانبي الحدود.
  • مراجعة الاتفاقيات النفطية ذات الصلة، وتحديد حقوق ليبيا والتزامات الشركاء، ومدى كفاية ترتيبات حماية المكامن المشتركة.
  • دراسة الخيارات القانونية والفنية المتاحة في حال ثبوت وجود إنتاج يؤثر في حقوق ليبيا، بما في ذلك التفاوض والتعاون الفني أو اللجوء إلى الآليات القانونية المناسبة.

كلمة أخيرة

إن العلاقات مع الجزائر، كما مع بقية دول الجوار، ينبغي أن تقوم على التعاون وحسن الجوار واحترام السيادة والمصالح المتبادلة، ولا يتعارض ذلك مع حق ليبيا في التدقيق في مواردها وحماية ثروتها الوطنية بكل الوسائل المشروعة.

فالغاز الطبيعي ليس مجرد سلعة تصديرية؛ بل هو مورد استراتيجي يمكن أن يدعم الكهرباء والصناعة والبتروكيماويات، ويعزز الإيرادات العامة ومكانة ليبيا في سوق الطاقة.

ومن هنا، فإن ملف حوض غدامس يستحق أن يكون حاضراً على طاولة الخبراء وصنّاع القرار، لا بوصفه اتهاماً سياسياً مسبقاً، بل باعتباره ملفاً فنياً واقتصادياً وسيادياً ينبغي استكمال بياناته والتحقق من معطياته، استعداداً للتعامل معه بما يحفظ حقوق ليبيا ومصالح أجيالها القادمة.

مشاركة الخبر