“أبو القاسم”: اتفاق الإنفاق الموحد: التفاؤل مشروع… والشك واجب
كتب رئيس قسم المحاسبة الأكاديمية الليبية “أبوبكر ابو القاسم”: اتفاق الإنفاق الموحد: التفاؤل مشروع… والشك واجب
طالعتنا الأخبار بتوقيع اتفاق توحيد الإنفاق التنموي بين أطراف المشهد الليبي، في خطوة تُعد من حيث المبدأ تطورًا إيجابيًا طال انتظاره، خاصة في ظل حالة الانقسام المالي وما نتج عنها من اختلالات هيكلية في إدارة الموارد العامة.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور المحوري الذي اضطلع به مصرف ليبيا المركزي ومجلس إدارته، مدعومًا بضغط دولي فاعل، في رعاية هذا الاتفاق بعد جولات تفاوضية امتدت لأكثر من عام. وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية توحيد القرار المالي كمدخل أساسي لمعالجة التشوهات الاقتصادية واستعادة قدر من الاستقرار.
من الناحية النظرية، فإن الالتزام الفعلي ببنود هذا الاتفاق من شأنه أن يحقق جملة من الآثار الإيجابية، أبرزها الحد من الانفلات في الإنفاق العام، وتحسين كفاءة تخصيص الموارد، بما ينعكس تدريجيًا على استقرار سعر الصرف، وتعزيز قوة الدينار الليبي، وتحسين القدرة الشرائية للمواطن، فضلًا عن دعم مسار الاستقرار المالي.
غير أن هذا التفاؤل، على وجاهته، ينبغي أن يظل مشوبًا بدرجة عالية من الحذر؛ إذ إن التجارب السابقة تُظهر أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع الاتفاقات، بل في ضمان تنفيذها الفعلي واستدامتها. ومن ثم، فإن نجاح هذا الاتفاق يتطلب استكماله بجملة من الإجراءات الداعمة، من أهمها:
أولًا: تعزيز حوكمة الإيرادات العامة، وعلى رأسها الإيرادات النفطية، بما يضمن الشفافية في التحصيل والتوريد، وعدالة التوزيع، وإخضاعها لآليات رقابية صارمة.
ثانيًا: إخضاع الإنفاق التنموي للرقابة المؤسسية، من خلال تفعيل دور الأجهزة الرقابية وفق الأطر القانونية المنظمة، بما يحد من الهدر ويعزز كفاءة الإنفاق.
ثالثًا: الالتزام بمبدأ الاستدامة المالية، عبر مواءمة مستويات الإنفاق مع الإيرادات الفعلية، وتجنب اللجوء إلى تمويل العجز بوسائل قد تُفاقم الاختلالات النقدية.
رابعًا: تحقيق التناغم بين السياسات الاقتصادية، ولا سيما بين السياسات المالية والنقدية والاقتصادية، بما يضمن توجيهًا متسقًا للاقتصاد الوطني ويعزز فعالية أدوات الإصلاح.
إن الالتزام بهذه الركائز من شأنه أن يعزز فرص نجاح اتفاق توحيد الإنفاق، ويُترجم آثاره الإيجابية، ولو في المدى القصير، إلى مؤشرات ملموسة على طريق التعافي الاقتصادي.
وفي الختام، يبقى الأمل معقودًا على أن تشكل هذه الخطوة بداية لمسار جاد نحو إصلاح اقتصادي شامل، يحقق لليبيا الاستقرار المالي والتنمية المستدامة، ويعيد الثقة في مؤسساتها الاقتصادية. نسأل الله أن يوفق بلادنا إلى ما فيه الأمن والاستقرار والازدهار.






















