Skip to main content
"الزنتوتي": بين تهريب الوقود وإلغاء الدعم: هل يدفع المواطن ثمن فشل الدولة؟
|

“الزنتوتي”: بين تهريب الوقود وإلغاء الدعم: هل يدفع المواطن ثمن فشل الدولة؟

كتب: المحلل المالي “خالد الزنتوتي” مقالاً

هل يجب أن نقضي على تهريب الوقود أولًا، والذي يبلغ سنويًا حوالي 64 مليار دينار، أم أن نطالب أولًا وفجأةً المواطن بدفع 400 دينار لتعبئة خزان سيارته من الوقود مقابل 7.5 دينار فقط؟!

يخرج علينا بين الفينة والأخرى بعض السادة الذين يطالبون باستبدال الدعم نقدًا وبشكل فوري، ويستدلون على تجارب دول أخرى مجاورة في هذا الخصوص، بل ذهب البعض إلى إصدار بيانات تمجّد ما قامت به تلك الدول.

ولكنهم، للأسف، يتناسون أن مثل تلك الدول وصلت إلى التفكير في الاستبدال النقدي للدعم بعد أن بدأت في تنظيمه منذ 10 سنوات، وذلك من خلال إصلاحات اقتصادية هيكلية موضوعة ومطلوبة من صندوق النقد الدولي، وقد بدأت تلك الدول بالتدرج في تنظيم الدعم عن طريق خطوات تنظيمية ومتناسقة طيلة عقد من الزمن أو أكثر.

حدث هذا بعد أن طورت تلك الدول، في مجال دعم الوقود مثلًا، شبكة نقل عام متقدمة، وطبقت مشاريع هندسية عملاقة للنقل العام، لعل آخرها القطارات المعلقة (المونوريل) التي تمتد إلى عشرات الكيلومترات.

وأيضًا يتناسون أن مثل تلك الدول لا يوجد بها تهريب، فهي دول تسيطر على حدودها بكفاءة مطلقة. إذن، المقارنة من حيث المبدأ مع تلك الدول غير منطقية؛ لأننا ببساطة نختلف عنها بشكل كبير.

ولا شك أننا جميعًا نطالب منذ مدة بضرورة تنظيم الدعم بشكل أو بآخر، سواء أكان تحويله إلى دعم نقدي أو دعم سلعي منظم ومقنن، ولكننا كنا نطالب أولًا بالقضاء على التهريب، هذا التهريب البغيض الذي قدّرته الصحف العالمية بحوالي 8 مليارات دولار سنويًا.

هذا الرقم لعله يساوي أو يتجاوز قيمة استهلاكنا السنوي من الوقود. لذا، فإن مشكلتنا الأساسية الأولى هي التهريب، في وقت تعجز فيه الدولة عن محاربة هذا التهريب، لأسبابٍ علمها عند الله. وفي وقت، للأسف، تخرج فيه الطائرات المسيّرة والأسلحة بأنواعها لنحارب بعضنا بعضًا، تعجز الدولة في الوقت نفسه عن حماية حدودها ومكافحة التهريب الذي يمس مقدرات وسيادة الدولة في الصميم.

نحن، نعم، مع تنظيم الدعم، ولكن بهدف رئيسي، وهو ترشيد الاستهلاك، ومحاربة التهريب، وتحقيق العدالة في توزيعه.

أليس الأجدر أولًا أن نحارب التهريب، وعندها يتسنى لنا معالجة الدعم وتنظيمه بأي من الوسائل المتعارف عليها، سواء دعم سلعي أو نقدي للجميع أو للمستحقين فقط، وبشكل تدريجي؟

أما المطالبة بإلغاء الدعم فورًا وتحويله إلى دعم نقدي، فهذا ضرب من المستحيل، لأنه ببساطة لا يمكن تطبيقه بشكل فوري في بيئة غير منتظمة وبيانات غير موثوقة. فالموضوع يحتاج إلى دراسات متأنية، وتحديد الهدف من الدعم، وكيفيته، ولمن يُوجَّه، وبأي قيمة.

لا أتصور أبدًا أن يجد المواطن البسيط فجأة نفسه أمام محطة الوقود ليدفع 400 دينار لتعبئة خزان سيارته بدلًا من 7.5 دينار فقط.

أليس من الأجدر أولًا القضاء على التهريب، قبل أن نعالج قضية الدعم بشكل علمي ومنطقي؟!
طبقًا للإحصائيات الدولية، فإن متوسط استهلاك الفرد الليبي من الوقود سنويًا يزيد على ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، وهذا أمر غير معقول.

لذلك، لا بد لنا من تنظيم الدعم ودراسته جيدًا، وذلك تحت ظروف عادية لا ينتابها أي نوع من التهريب أو الفساد، وعندها نستطيع تنظيمه بشكل تدريجي، وبأي صيغة يتفق عليها الخبراء وصناع القرار.

مشاركة الخبر