Skip to main content
"الحضيري": شركة البريقة بين الواجب القانوني وأزمة الوقود في ليبيا
|

“الحضيري”: شركة البريقة بين الواجب القانوني وأزمة الوقود في ليبيا

كتب: الخبير القانوني في مجال النفط “عثمان الحضيري”: مقالاً متسائلاً: لماذا تستمر معاناة المواطن رغم وفرة إنتاج النفط الخام؟

تُعد شركة البريقة لتسويق النفط الذراع الرئيسية للدولة الليبية في إدارة وتوزيع الوقود والمنتجات النفطية، وهي الجهة المناط بها تأمين احتياجات السوق المحلي من البنزين والديزل وغاز الطهي، عبر المستودعات والمحطات ووسائل النقل المختلفة.

ورغم ذلك، لا يزال المواطن الليبي يواجه أزمات متكررة تتمثل في الطوابير الطويلة، والانقطاعات المفاجئة، وعودة السوق السوداء، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام الشركة بواجباتها القانونية والتنظيمية، وحول الأسباب الحقيقية لاستمرار اختناقات التوزيع في بلد يُصنَّف من كبار منتجي النفط في أفريقيا.

أولاً: المهام القانونية لشركة البريقة
أُنشئت شركة البريقة لتسويق النفط بموجب القانون رقم 74 لسنة 1971، لتتولى مسؤولية تسويق وتوزيع الوقود داخل ليبيا، وتشمل مهامها الأساسية:
استلام المنتجات النفطية من المصافي أو من عمليات الاستيراد.

تخزين الوقود داخل المستودعات والخزانات.
نقل الوقود إلى المدن والمحطات.
ضمان انتظام الإمدادات في مختلف المناطق.
إدارة عمليات التوزيع وفق احتياجات السوق المحلي.

وعلى المستوى النظري، تمتلك الشركة بنية تشغيلية واسعة تسمح لها بتغطية مختلف المدن الليبية، إلا أن الأداء الفعلي يكشف عن وجود اختلالات مزمنة في منظومة التوزيع والرقابة.

ثانياً: أبرز الإخفاقات والتحديات

  1. ضعف الرقابة وانتشار التهريب
    يُعد تهريب الوقود من أخطر التحديات التي تواجه قطاع التوزيع في ليبيا، حيث تتسرب كميات كبيرة من الوقود المدعوم إلى السوق السوداء أو إلى خارج البلاد عبر شبكات تهريب منظمة، ما يؤدي إلى نقص الإمدادات داخل السوق المحلي رغم توفر الكميات على الورق.
  2. سوء العدالة في توزيع الحصص
    تشكو عدة مناطق ليبية من عدم انتظام الإمدادات مقارنة بمناطق أخرى، وهو ما يعكس وجود تفاوت واضح في توزيع الحصص بين المدن والمحطات، إضافة إلى اتهامات متكررة بوجود تلاعب في آليات التوزيع وضعف الرقابة على المحطات.
  3. تهالك البنية التحتية
    تعاني منظومة التوزيع من تقادم المستودعات والخزانات ووسائل النقل، فضلاً عن ضعف أنظمة القياس والمتابعة، ما يؤدي إلى تأخير وصول الوقود وارتفاع نسبة الفاقد والأعطال التشغيلية.
  4. غياب الإدارة الرقمية الحديثة
    لا تزال أجزاء واسعة من منظومة الوقود تعتمد على الإجراءات التقليدية والورقية، في ظل غياب منظومة إلكترونية متكاملة تتيح تتبع الشحنات، ومراقبة الاستهلاك، وربط المحطات بغرف تحكم مركزية.
  5. تأثير الانقسام السياسي والأمني
    تتأثر عمليات توزيع الوقود بشكل مباشر بحالة الانقسام السياسي والأمني التي تعيشها البلاد، حيث تنعكس الاضطرابات الأمنية وإغلاقات الطرق والموانئ على انتظام الإمدادات واستقرار السوق.

ثالثاً: لماذا تستمر الأزمة رغم وفرة إنتاج النفط الخام؟
يرى مراقبون وخبراء أن الأزمة لا ترتبط بندرة الوقود بقدر ما ترتبط بضعف الإدارة والحوكمة. فليبيا تمتلك موارد نفطية ضخمة، لكن غياب الرقابة الفعالة، واستمرار الدعم المفتوح، وانتشار الفساد والتهريب، كلها عوامل تُفقد الدولة السيطرة الكاملة على منظومة التوزيع.

كما أن الدعم الحكومي الكبير للوقود خلق فجوة سعرية ضخمة بين ليبيا والدول المجاورة، الأمر الذي جعل التهريب نشاطاً مربحاً يصعب احتواؤه دون إصلاحات جذرية.

رابعاً: الحلول المقترحة لتجاوز المختنقات

  1. رقمنة منظومة الوقود
    من خلال تطبيق منظومات إلكترونية متطورة تشمل:
    بطاقات وقود ذكية.
    تتبع شاحنات النقل بالأقمار الصناعية.
    مراقبة المخزون والاستهلاك لحظياً.
    ربط المحطات بمنصة مركزية موحدة.
  2. إعادة هيكلة الدعم
    يؤكد خبراء الاقتصاد أن استمرار الدعم المفتوح يشجع على التهريب والهدر، ما يستدعي التوجه نحو دعم مباشر للمواطن بدلاً من دعم السلعة، مع الأخذ في الاعتبار التبعات الاقتصادية والاجتماعية والمالية على المناطق النائية، وخصوصاً الجنوب الليبي، والتأثير المباشر على أسعار الخدمات الأساسية المختلفة في حال تنفيذ هذا التوجه.
  3. تعزيز الرقابة والمحاسبة
    عبر تفعيل الأجهزة الرقابية والأمنية، وتشديد العقوبات على المحطات المخالفة وشبكات التهريب والمتلاعبين بالحصص.
  4. تطوير البنية التحتية
    يشمل ذلك تحديث المستودعات والخزانات، وتوسيع قدرات النقل والتخزين، وتحسين جاهزية الموانئ النفطية.

وهنا تكمن مشكلة كبرى تتطلب تشكيل لجنة مركزية مختصة تكون مهمتها تقييم المستودعات الحالية، وإنشاء مستودعات حديثة جديدة، إضافة إلى استحداث لجنة عطاءات مستقلة تتبع المؤسسة الوطنية للنفط مباشرة، بعيداً عن شركة البريقة.

ولعل أقرب مثال على نجاح المشروعات الاستراتيجية المستقلة هو تجربة إدارة مشروعات الغاز، التي حققت نجاحاً كبيراً رغم العقوبات المفروضة على ليبيا آنذاك.

  1. اعتماد الشفافية ونشر البيانات
    من خلال نشر بيانات دورية حول الكميات الموزعة، وأسماء المحطات، والمخزون المتاح، بما يعزز الرقابة المجتمعية ويحد من الفساد.

ما المطلوب عاجلاً من المؤسسة الوطنية للنفط تجاه شركة البريقة؟
بات من الضروري أن تتحرك المؤسسة الوطنية للنفط، بصفتها الجمعية العمومية المشرفة على شركة البريقة، بصورة عاجلة لمعالجة الاختلالات المتكررة في منظومة توزيع الوقود، وذلك عبر إجراءات عملية وحاسمة تبدأ بتشكيل لجنة فنية ورقابية مستقلة من الخبراء لتقييم أداء الشركة وكشف مكامن الخلل في التوزيع والنقل والرقابة.

كما يتوجب على المؤسسة مراجعة أداء الإدارة التنفيذية بالشركة ومحاسبة المقصرين، إلى جانب فرض منظومة رقابة إلكترونية حديثة لتتبع حركة الوقود من المستودعات حتى المحطات، بما يحد من التهريب والتلاعب ويضمن عدالة توزيع الحصص بين المدن والمحطات.

ومن الضروري أيضاً إلزام الشركة بنشر بيانات التوزيع والمخزون بشفافية أمام الرأي العام، مع مراجعة عقود النقل والمحطات المتورطة في الاختناقات أو السوق السوداء، بالتوازي مع تنسيق أمني واسع لمكافحة التهريب تهريب الوقود الذي يستنزف السوق المحلي.ويبقى الحل الجذري مرهوناً بإصلاح شامل لمنظومة الإدارة والدعم والرقابة، لأن أزمة الوقود في ليبيا لم تعد أزمة نقص في الموارد، بل أزمة إدارة وشفافية وحوكمة مع ضرورة اتخاذ الخطوات العملية التالية ؛- .

1- ضروره الاسراع في تنفيد مشروع مصفاه الجنوب ) الحلم الذي لم يتحقق ) ولو عن طريق دعوه المستتمرين لتبني تمويل وتنفيد هدا المشروع الحيوي. 2- تنفيد مجموعة مصافي صغيرة في مناطق انتاج النفط ( الحقول الكبرى ) للتقليل الحاجه للنقل البري .3- اقامه ونشر سعات تخزينيه جديده ( مستودعات ) وفق مخطط يعد لهدا الغرض.

ويمكن اقحام مستتمرين وطنين يمكنهم التمويل والتنفيد ، ومن تم تأجير تلك المستودعات لشركة لبريقه لتسويق النفط .

5- تطوير مصفاه الزاويه ( عاجلا ) وكدلك تشغيل وتطوير مصفاه راس لانوف ( بكوادر كفؤه فعلا لا قولا ) وهيكلة الشركة بشكل يمكنها القيام بواجباتها واستكمال بقية وحدات المصفاة وفق المخطط المطلوب والمستقبلي.

ومن المهم البدء في استخدام الغاز بنوعيه ، LPG , NG ، كوقود للسيارات بدلا من استخدام البنزين المعمول به حاليا، كما هو الحال في دول الجوار في مصر وتونس والجزائر والمغرب.

خاتمة

تبقى أزمة الوقود في ليبيا انعكاساً لأزمة إدارة أكثر من كونها أزمة موارد، فرغم الإمكانيات النفطية الهائلة، ما تزال منظومة التوزيع تواجه تحديات معقدة تتداخل فيها العوامل الإدارية والأمنية والاقتصادية.

وبينما تؤدي شركة البريقة جانباً من مهامها التشغيلية، فإن تجاوز الأزمة بشكل دائم يتطلب إصلاحاً شاملاً لمنظومة (الإدارة والتوزيع والرقابة)، قائمًا على الشفافية والتقنية الحديثة والحوكمة الرشيدة، بما يضمن وصول الوقود إلى المواطن بصورة عادلة ومستقرة.

مشاركة الخبر