Skip to main content
"الفارسي" يكتب: الإصلاح المقلوب.. لماذا الهرب من إصلاح هيكل الدولة؟
|

“الفارسي” يكتب: الإصلاح المقلوب.. لماذا الهرب من إصلاح هيكل الدولة؟

كتب عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي “أيوب الفارسي” مقالاً قال خلاله:

في خضم فوضى الخطاب الاقتصادي، وديمقراطية وسائل الإعلام التي تكاد تلغي التخصص، أكتب…

في الدولة الريعية، تفقد الأدوات الاقتصادية الكلاسيكية فاعليتها، وتتحول إلى أدوات لتسيير الأزمة بدلاً من حلها. فالسياسة النقدية والمالية والتجارية تصبح رهينة للتدفقات النفطية، فحين يرتفع سعر النفط تتوسع الدولة في الإنفاق، وحين ينخفض تُمارس سياسات تقشفية عشوائية تضر بالاستقرار الاجتماعي، أو تحافظ على نفس الإنفاق على حساب قوة العملة.

أداء السياسات الاقتصادية وفق النموذج الريعي:

1- السياسة التجارية:
تتحول إلى منظومة لتسهيل الاستيراد السلعي الاستهلاكي، بدلاً من تعزيز الصادرات أو حماية الإنتاج المحلي المعدوم أصلاً.

لذلك، فإن معضلة ليبيا تكمن في #الإطار_الهيكلي الذي يحكم الاقتصاد، ولا يمكن تطويع سياسة الصرف أو ترشيد الدعم في بيئة لا تنتج شيئاً سوى النفط، لأن أي تغيير في سعر الصرف -على سبيل المثال- سيمتصه السوق فوراً عبر التضخم، نظراً لاعتماد البلاد الشامل على استيراد الغذاء والدواء وكل متطلبات المعيشة.

#ثقافة_الاتكال: التاجر والموظف

إن الفشل الحقيقي للنموذج الريعي الليبي يتجسد في صياغته لـ”عقد اجتماعي واقتصادي مشوه”، تحول فيه الجميع إلى مستهلكين ومقتاتين على ريع النفط دون تقديم قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني:

  • الهيكل الوظيفي (التضخم الإداري): تحولت الوظيفة العامة إلى أداة لتوزيع الريع، وليس للإنتاج. تلتهم المرتبات النسبة الأكبر من الدخل القومي، مما خلق بطالة مقنعة ضخمة تُثقل كاهل الميزانية دون أي مردود تنموي.
  • القطاع التجاري (اقتصاد الاعتمادات): حتى القطاع الخاص، المفترض به أن يكون قاطرة النمو، تشوه بفعل الريعية. تحول جزء كبير من التجار إلى “وسطاء اعتمادات مستندية” يقتاتون على فروقات أسعار العملة والامتيازات المصرفية، ويمارسون تجارة استهلاكية استيرادية لا تخلق وظائف مستدامة، ولا تدعم التصنيع المحلي أو سلاسل القيمة.

2- السياسة المالية والاستهلاك المهدد للاستدامة

أحد أبرز تجليات هذا الفشل الهيكلي هو التهام النفقات الاستهلاكية (المرتبات، والدعم، والنفقات التسييرية) لمعظم الميزانية العامة للدولة عاماً بعد عام.

هذا الخلل الهيكلي يجعل نصيب النفقات التنموية والاستثمارية ضئيلاً جداً، وحتى إن وجدت، فإنها تفتقر للرؤية التنافسية التي تخلق اقتصاداً موازياً لا يعتمد على النفط. إن دولة تستهلك ميزانيتها في تسيير اليوم، هي دولة #تأكل_رأسمال_مستقبلها، وتترك الأجيال القادمة رهينة لتقلبات سوق طاقة عالمي يتجه بسرعة نحو البدائل النظيفة.

3- السياسة النقدية: ومعضلة الهيمنة المالية

في النموذج الريعي، تكمن وظيفة السياسة النقدية في الاعتماد على التدفقات الضخمة من العملة الأجنبية للدفاع عن العملة المحلية، وبسبب طبيعة الحكومات التي تميل إلى الإنفاق، فإن السياسة النقدية تعاني من هيمنة مالية غير مخططة، وفي ليبيا فإن هذه الهيمنة تحولت إلى انفلات يعيق محاولات الاستقرار، مع معضلة الانقسام المؤسسي والسياسي، ويسبب الاتكال على الريع في هذا النموذج أن كل هذا الإنفاق يُموَّل من إيرادات الدولة النفطية، ولا توجد مساهمة تذكر للإيرادات الحكومية، رغم حجم النشاط التجاري الكبير.

الآن نأتي لسبب هذه المقدمة، وهي محاولة إصلاح مقلوبة تبدأ من النتائج إلى الأسباب، في مشهد يعكس فوضى الخطاب الاقتصادي، وديمقراطية وسائل الإعلام الحديثة التي تكاد تلغي التخصص لصالح الذكاء الصناعي #الغبي_اقتصاديا، وأصحاب المصالح، والباحثين عن الترند الاقتصادي.

خارطة الطريق: الإصلاح المنهجي المتدرج

إن الانتقال من هذا النظام الفاشل إلى نظام مستدام لا يحدث بقرارات فجائية أو “صدمات اقتصادية غير مدروسة”، بل يتطلب إصلاحاً هيكلياً ممنهجاً ومتدرجاً، يُبنى على خطط خمسية وعشرية واضحة المعالم.

وهي التدرج الطبيعي لكل عمليات التحول الدولية الناجحة (فمقولة: من ليبيا يأتي الجديد لا مكان لها في الاقتصاد، فيكفي هذه المقولة ما نسمعه من بدع اقتصادية يقف العقل والعلم مذهولين من جرأتها).

كما في الرسم المرفق الذي أعددته للتبسيط، فإن المراحل الطبيعية للتحول الهيكلي هي:

1. المرحلة الأولى (التنويع الاقتصادي كمفتاح رئيسي):
يجب أن تركز الخطط الخمسية الأولى على خلق قطاعات إنتاجية بديلة (الصناعات التحويلية، والزراعة الذكية، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والطاقة المتجددة)، عبر شراكات حقيقية مع القطاع الخاص المحلي والدولي.

2. المرحلة الثانية (تحقيق القيمة المضافة):
إعادة توجيه الائتمان المصرفي والاعتمادات المستندية لدعم المستثمرين والصناع الذين يقدمون قيمة مضافة، ويخلقون فرص عمل حقيقية، ووقف التسهيلات الممنوحة للاستيراد العبثي للسلع الكمالية.

3. المرحلة الثالثة (تطويع السياسات الاقتصادية):
بعد إرساء قواعد الاقتصاد التنافسي المتنوع، يصبح بالإمكان -وبشكل آمن- تطويع السياسات النقدية (كسعر الصرف) والمالية (كإعادة توجيه الدعم لمستحقيه أو توجيهه كحوافز إنتاجية)، دون الخوف من حدوث انهيارات اجتماعية أو تضخمية حادة.

في الأخير….

إن تغيير النموذج الليبي لا يكمن في العبث بالصف رقم 3 في الرسم المرفق، بل في شجاعة الجراحة الهيكلية المدفوعة بإرادة حقيقية للتغيير من أعلى إلى الأسفل.

مشاركة الخبر