
| أخبار
“الفارسي” يكتب: ضريبة “فائض الإفصاح”: كيف تحول المصرف المركزي إلى متهم بـ”التقصير المالي” نيابة عن الغائبين؟
كتب عضو لجنة السياسة النقدية بالمركزي “أيوب الفارسي” مقالاً قال فيه: “ضريبة “ فائض الإفصاح”: كيف تحول المصرف المركزي إلى متهم بـ”التقصير المالي” نيابة عن الغائبين؟
يواجه مصرف ليبيا المركزي مؤخراً موجة من الانتقادات الحادة بسبب تأخره أو توقفه عن نشر بياناته الدورية. والمفارقة هنا ليست في أصل المطالبة بالشفافية، وهي حق مكفول للمواطن والمهتم بالشأن الاقتصادي، بل في توجيه أصابع الاتهام إلى جهة غير اختصاصية، وتحميلها مسؤولية تقصير تراكمي لسنوات طالت قطاع المالية العامة. إنها قصة مؤسسة تطوعت لسد فراغ إحصائي، فانتهى بها المطاف بدفع ضريبة هذا “الفائض في الإفصاح” من رصيد ثقتها، بينما يلوذ أصحاب الاختصاص الحقيقيون بالصمت.
فخ الاختصاص البديل: عندما تحجب المبادرة المقصر الأصلي
منذ سنوات طويلة، يعاني المشهد الاقتصادي الليبي من غياب شبه تام للبيانات الصادرة عن وزارة المالية، وهي الجهة السيادية والأصيل القانوني المنوط به إعداد ونشر التقارير الدورية حول الإيرادات العامة، والمصروفات، والعجز أو الفائض المالي. هذا العزوف الهيكلي الدائم ترك فراغاً كبيراً، وتسبب في غياب أداة القياس الأساسية لتقييم أداء الحكومة المالي.
وأمام هذا الفراغ، وتفادياً لضبابية المشهد أمام المؤسسات الدولية والمحلية، تطوع المصرف المركزي طيلة السنوات الماضية بنشر بيانات تفصيلية تشمل الإيرادات والإنفاق العام للدولة. ورغم أن هذا الإجراء كان ينطلق من باب إتاحة المعلومات، إلا أنه أدى مع مرور الوقت إلى تداعيات عكسية خطيرة:
- خلط المفاهيم لدى الرأي العام: اعتاد الشارع رؤية أرقام الدولة المالية تصدر من منصة المصرف المركزي، مما رسخ في الأذهان انطباعاً خاطئاً بأن المركزي هو المسؤول المباشر عن هذه الأرقام وعن عملية الإفصاح ذاتها.
- انحراف بوصلة النقد: بمجرد حدوث تأخير في نشر هذه البيانات، تداعت الانتقادات نحو المصرف المركزي وكأنه “صاحب الاختصاص الأصيل” الذي فرط في واجباته، في حين غُض الطرف تماماً عن وزارة المالية، الطرف الحقيقي الغائب عن المشهد.
إن أخطر تداعيات هذا اللبس لم تتوقف عند حدود لوم المركزي على تأخر البيانات، بل تعدتها إلى محاسبته ومساءلته عن أداء السياسة المالية للدولة؛ فبات المركزي يُسأل عن أوجه الإنفاق الحكومي، وتضخم بند المرتبات، وكفاءة الإنفاق الاستثماري، وهي ملفات تقع حصرياً تحت سلطة وتنفيذ وزارة المالية.
بموجب قانون المصارف، ينحصر نطاق مسؤولية المصرف المركزي في إدارة السياسة النقدية، والتي تشمل بياناتها الحصرية:
المؤشرات النقدية والمصرفية: مثل عرض النقود (M1, M2)، وحجم الائتمان المصرفي، والسيولة، والأصول والخصوم للمصارف التجارية.
القطاع الخارجي والعملات الأجنبية: ميزان المدفوعات، وإدارة الاحتياطيات الرسمية من الذهب والنقد الأجنبي، ومبيعات العملة للأغراض التجارية والشخصية، وتحديد أسعار الصرف.
الاستقرار المالي والأسعار: تحديد أسعار إعادة الخصم، وتقارير السلامة المالية للمصارف، وتحليل معدلات التضخم النقدية.
الفارق الجوهري هنا: المصرف المركزي يرصد “حركة التدفقات النقدية” فعلياً عبر حسابات الدولة لديه، لكنه لا يملك الولاية القانونية على “تخطيط وتوجيه” هذه الأموال. هو ينشر قيود الإيرادات والإنفاق كما تصله، لكن وزارة المالية هي وحدها المسؤولة قانوناً عن تبويب وتوجيه هذه المصروفات وفقاً لقانون الميزانية العامة.
ملف عائدات النفط وغياب الحوكمة:
لا يمكن عزل أزمة الإفصاح المالي الحالية عن “الملف الأكثر حساسية” في الاقتصاد الليبي، وهو ملف عائدات النفط وتدفقاتها النقدية، والذي شهد ممارسات مالية خارج إطار الميزانية التقليدية، ضاعفت من تعقيد المشهد:
جدلية “عدم توريد” العائدات: عانى المشهد المالي في فترات سابقة من عدم توريد جزء هام من عائدات النفط إلى الحساب السيادي للدولة لدى المصرف المركزي، واحتجازها في حسابات خارجية كإجراءات استثنائية مؤقتة. هذا المسار حجب جزءاً رئيسياً من التدفقات النقدية للدولة، وخلق فجوة في بيانات المطابقة بين الإنفاق الفعلي والدورة الاقتصادية الرسمية، مما جعل المصرف المركزي في مواجهة مباشرة مع شح السيولة الأجنبية دون أن يكون مسبباً فيها.
ميزانيات رفع الإنتاج: امتدت ضبابية هذا الملف إلى “المؤسسة الوطنية للنفط” التي مُنحت ميزانيات استثنائية ضخمة بمليارات الدينارات تحت بند “خطة تطوير القطاع ورفع معدلات الإنتاج”. ورغم ضخامة هذه المبالغ المقتطعة من قوت الليبيين، إلا أن المؤسسة أحجمت عن تقديم إفصاحات شفافة توضح للرأي العام والجهات الرقابية كيف صُرفت هذه الميزانيات، وما هي المشاريع التي نُفذت، وهل انعكست كفاءة هذا الإنفاق على الأداء العام للقطاع؟
أخيراً
إن المأزق الحالي الذي يواجه المصرف المركزي يعكس أزمة أعمق في حوكمة المؤسسات الليبية. لقد دفع المركزي ضريبة محاولته سد الفراغ الإفصاحي لسنوات، ليتحول في نظر العامة من “مبادر بالإفصاح” إلى “متهم بالتقصير”، بينما فضلت مؤسسات أخرى، مثل وزارة المالية والمؤسسة الوطنية للنفط، العمل في الظل بعيداً عن أعين الرقابة والمحاسبة.
إن تصحيح هذا المسار لا يكمن في الضغط على المركزي لنشر ما لا يقع تحت اختصاصه، بل في رفع الوعي القانوني بالاختصاصات، ودفع المقصرين الحقيقيين للعودة إلى منصة المسؤولية ونشر بياناتهم، حتى تستقيم أدوات المحاسبة والتقييم الاقتصادي في البلاد.




