
| مقالات اقتصادية
“المزوغي”: قراءة تحليلية معمقة في منشور الأستاذ حسني بي.. صدمة الوقائع وعقيدة إصلاح الهيكل
كتب: متابعة للشأن الاقتصادي “عمر المزوغي” مقالاً
قراءة دقيقة ومسؤولة في منشور الأستاذ حسني بي؛ والكلمات تعكس بوضوح إحباط النخب الاقتصادية عندما تُجابه الحقائق العلمية بـ “العاطفة والشعبوية والتخوين”.
الرجل لا يطالب بـ “إلغاء حق المواطن”، بل يطالب بـ “تصحيح مسار تدفق الثروة”، وإليكم التفكيك العلمي والأعمق للنقاط السبع التي لخصت وجع الاقتصاد الليبي:
أولاً، وهم الدعم وعقيدة الاستنزاف (40% من الإنفاق العام):
عندما يلتهم بند واحد وهو دعم الطاقة قرابة 40% من الإنفاق العام للدولة، و35% من إجمالي إنتاج النفط والغاز (شاملاً حصة الشريك الأجنبي)؛ فإننا من منظور الاقتصاد الكلي لا نتحدث عن سياسة رفاهية اجتماعية، بل نتحدث عن “تدمير ممنهج لتكلفة الفرصة البديلة”.
هذه المليارات المهدرة في عوادم السيارات والتهريب هي في الأصل “نقد أجنبي ضائع” حُرم المصرف المركزي من إدخاله للاحتياطيات السيادية لدعم القيمة الشرائية للدينار الليبي والدفاع عن استقراره.
هذا ليس دعماً، هذا استنزاف للمستقبل وقضم لقيمة العملة الوطنية يومياً.
ثانياً، التشوه الطبقي (المنظومة تأخذ من الفقير لتعطي الغني والمهرب):
الدعم السلعي الحالي هو أكبر آلية لـ “تكريس عدم العدالة الاجتماعية” (Regressive Subsidy).
التكلفة يتحملها كل ليبي بالتساوي من حصته في ثروة النفط؛ لكن المستفيد الفعلي ليس الفقير أو المواطن البسيط، بل المستفيد الأول هو الغني الذي يستهلك أضعافاً مضاعفة عبر سياراته الفارهة ومصانعه، يليه المهرب الدولي ومراكز النفوذ التي تجني أرباحاً فلكية بالعملة الصعبة.
المنظومة الحالية تأخذ من حصة الفقير المادية لتمنحها للغني والمهرب على طبق من ذهب.
ثالثاً، تفكيك فزاعة التضخم (الاستبدال النقدي ليس إنفاقاً جديداً):
هذه هي النقطة الفنية الأهم التي يتناساها الأكاديميون المعارضون، ونؤكد عليها علمياً:
“الاستبدال النقدي ليس طبعة جديدة للعملة ولا يخلق زيادة في الكتلة النقدية المعروضة”.
الدولة تدفع هذه المليارات بالفعل بالعملة الصعبة من مبيعات النفط الخام عبر المقاصة والمبادلة الكارثية، وتحويلها إلى مبالغ نقدية (مثل الـ 500 دينار للفرد) هو مجرد “إعادة توجيه لنفس الكتلة النقدية الموجودة أصلاً” من قنوات الفساد والتوريد إلى جيب المواطن مباشرة.
والأثر على المعدل العام للأسعار لن يتجاوز الـ 1.8% كأثر تراكمي أولي لتكلفة النقل، وهي نسبة ضئيلة جداً وتكاد لا تذكر مقارنة بالوفر المالي والسيولة التي ستدخل ميزانية كل أسرة ليبية.
رابعاً، الأمانة الوطنية والمسؤولية التوعوية:
ختام منشور الأستاذ حسني يلخص الأمانة؛ الرجل يضع “مرآة الأرقام الصادمة” أمام الجميع، ثم يترك الخيار لإرادة الشعب.
التوعية وقول الحقيقة دون تجميل هي دور النخب الحقيقية قبل غرق السفينة.
استمرار الدفاع عن منظومة الدعم السلعي الحالية تحت شعار حماية قوت المواطن هو في حقيقته حماية لشبكات المصالح والاقتصاد الموازي المقتات على عرق الليبيين ومقدرات أجيالهم القادمة.
الخلاصة:
الأستاذ حسني بي لا يقدم وعوداً سلطوية، بل يضع تشخيصاً علمياً لا يقبل الطعن.
التحول من الدعم السلعي المنهوب إلى البديل الرقمي والمحوكم (الدعم النقدي المباشر وصيغ الاستثمار الشامل والإنتاج) هو طوق النجاة الوحيد لوقف الآلة الرسمية لتدمير الدينار الليبي.
الإصلاح يحتاج إلى شجاعة المواجهة، والتوعية بالحقائق هي الخطوة الأولى للتغيير.





