Skip to main content
يونس ابوشيبة يكتب عن تجارب دولية لاستبدال الدعم العيني بالنقدي
|

يونس ابوشيبة يكتب عن تجارب دولية لاستبدال الدعم العيني بالنقدي

كتب استاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسة جامعة مصراتة د. يونس الطيب ابوشيبة مقالاً قال خلاله:

إلى الذين لا يزالون يتحفظون على استبدال الدعم العيني بالنقدي، ندرك أن هواجسكم مشروعة وتدور حول ثلاثة محاور رئيسية:

  1. انعدام الثقة: كيف نضمن وصول المبلغ النقدي للمواطن قبل أن ترتفع الأسعار وتضغط على معيشته؟
  2. التسرب والفساد: كيف نمنع المستفيدين الوهميين ونضمن أن الدعم يذهب لمستحقيه فقط بدلاً من أن يتسرب إلى السوق السوداء والتهريب؟
  3. الخوف من الصدمة: كيف نمتص الغضب الشعبي ونضمن الاستقرار في بلد يعتمد بشكل شبه كلي على الريع النفطي؟

لا نقدم لكم مجرد تنظير، بل نستعرض ثلاث تجارب دولية خاضت التحدي ذاته ونجحت في تفكيك هذه العقد، مما يجعلها مرآة صادقة للحالة الليبية.

1. إيران (2010): معجزة “كسب الثقة” ووأد التهريب

الأقرب إلى ليبيا روحاً وجسداً (دولة ريعية، وتهريب عابر للحدود، واقتصاد مشوه).

• ماذا فعلوا؟ رفعت الحكومة أسعار البنزين والديزل والكيروسين دفعة واحدة لتصل إلى 90% من السعر العالمي. كانت المخاطرة هائلة.

• آلية التعويض العبقرية (ضربة الثقة الاستباقية): بدلاً من إعطاء المواطن وعوداً، قامت الحكومة بفتح حسابات بنكية لكل مواطن وأودعت فيها الدعم النقدي (45 دولاراً شهرياً لكل فرد) قبل شهرين كاملين من رفع الأسعار. دخل المال إلى جيوب الناس وهم لا يزالون يدفعون السعر القديم المدعوم. هذا الإجراء وحده بدد الخوف وخلق رصيداً من الثقة لا يقدر بثمن.

• النتائج القاطعة:
• انخفض استهلاك البنزين فوراً بنسبة 20% لأن المواطن شعر بقيمة المال في يده وأصبح حريصاً على ترشيده.
• انتهى التهريب تماماً إلى أفغانستان وباكستان، لأن فارق السعر الذي كان يغذي كارتيلات الفساد تلاشى بين ليلة وضحاها.
• الدرس لليبيا: عندما يشعر المواطن بالأمان المالي قبل الصدمة السعرية، يتحول من رافض لأي إصلاح إلى شريك في تقليم الفساد والتهريب.

2. الهند (2013-2015): إعدام “المستفيدين الوهميين” بالتكنولوجيا

أكبر برنامج في العالم لاستبدال دعم الغاز، ويعالج مشكلة التسرب التي تشبه تماماً معاناة ليبيا مع المحروقات.

• ماذا فعلوا؟ حررت الهند سعر أسطوانة غاز الطهي (LPG) بالكامل، وهي سلعة كانت تغذي سوقاً سوداء ضخمة للاستخدام التجاري غير المشروع.

• آلية “الدفع المزدوج الذكي”: يدفع المواطن السعر التجاري كاملاً عند الشراء، ثم خلال 48 ساعة فقط، يُحوَّل الدعم النقدي مباشرة إلى حسابه البنكي المرتبط برقمه التعريفي البيومتري (Aadhaar). لا وسيط ولا قسائم ورقية.

• مذبحة الفساد بالأرقام:
• اختفى المستفيدون الوهميون لأن النظام الرقمي كشفهم. لم يعد بالإمكان بيع الأسطوانات المدعومة في السوق السوداء، فالمواطن الحقيقي وحده هو من يحصل على النقد في حسابه.
• وفرت الهند 8 مليارات دولار سنوياً من أموال كانت تذهب للصوص والكارتيلات.
• الدرس لليبيا: الرقمنة والربط بالرقم الوطني ليسا رفاهية، بل هما المدفع الذي يطحن الفساد ويحصر الدعم في مستحقيه الشرعيين.

3. مصر (2014-2019): درس عربي في التدرج الذكي والبطاقة الذكية

تجربة عربية نجحت في كسر دعم الطاقة دون إراقة دماء، عبر دمج التكنولوجيا بالتوسع في برامج الحماية الاجتماعية.

• التحدي: دعم طاقة يلتهم الموازنة، وتهريب للمواد البترولية عبر الحدود.

• آلية الإصلاح المزدوجة:

  1. سلاح البطاقة الذكية: قبل رفع الأسعار، فرضت الدولة نظام “الكارت الذكي” لتموين الوقود، مما قضى على السوق السوداء والتهريب، وحدد بدقة استهلاك كل مركبة. أصبح كل لتر يُباع مرصوداً إلكترونياً.
  2. رفع تدريجي للأسعار متزامن مع توسع هائل في برنامجي “تكافل وكرامة” النقديين، حيث تم توجيه جزء كبير من وفر الدعم إلى منح نقدية مشروطة للأسر الفقيرة عبر البطاقات المصرفية.

• حصاد التجربة:
• انخفضت فاتورة دعم المواد البترولية من مستويات فلكية إلى الصفر حالياً تقريباً، ودون اهتزاز أمني حاد.
• تضاعف عدد المستفيدين من التحويلات النقدية ليغطي ملايين الأسر الأكثر احتياجاً بدقة.
• الدرس لليبيا: الإصلاح ليس “رفعاً للأسعار وتركاً للناس”، بل هو عملية جراحية دقيقة تستخدم فيها التكنولوجيا لسد منافذ التهريب، وأموال الدعم المحررة لإنشاء شبكة أمان نقدي حقيقية تحمي الفقراء قبل الأغنياء.

أثبتت التجارب الثلاث أن الفشل ليس قدراً محتوماً. السر ليس في التمسك بالدعم العيني المهدر، بل في “التوقيت” (إيداع النقد قبل رفع السعر كما فعلت إيران)، و”التكنولوجيا” (التحقق من الهوية للقضاء على الأشباح كما فعلت الهند)، و”التدرج الذكي” (توجيه الوفر للفقراء عبر أنظمة نقدية رقمية كما فعلت مصر). البديل عن الإصلاح ليس استمرار الوضع على ما هو عليه، بل هو انهيار مالي وزيادة التهريب حتى يجف الريع تماماً، وعندها ستكون الصدمة بلا أي شبكة أمان.

مشاركة الخبر