
| مقالات اقتصادية
“بن طاهر”: برنامج دعم المحروقات بين واقع لا يمكنني الدفاع عنه ومستقبل لا أملك ما يكفي من الثقة للاطمئنان إليه
كتب: أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة طرابلس “حسن بن طاهر” مقالاً
كلما استمعت إلى المقترحات المتعلقة بإصلاح دعم المحروقات أجد نفسي في حالة من الحيرة لا بسبب صعوبة فهم الحلول المطروحة بل بسبب قناعتي المتزايدة بأن المشكلة في ليبيا لم تعد مشكلة برنامج دعم بقدر ما هي مشكلة دولة.
وللتوضيح فإنني لا أنحاز إلى وجهة نظر ضد أخرى ولا أدافع عن استمرار الوضع الحالي ولا أتبنى تلقائيا دعوات الاستبدال النقدي أو رفع الدعم أو غيرها من المقترحات بل ما زلت أبحث عمن يقنعني ويقدم إجابات مقنعة على الأسئلة الصعبة التي تفرضها طبيعة الواقع الليبي.
فأنا كاقتصادي إن صحت الصفة لا استطيع أن أدافع عن استمرار بيع المحروقات بهذه الأسعار الرمزية ولا استطيع أن اتجاهل حجم الهدر والتهريب والاستنزاف الذي أصبح يهدد الاقتصاد الليبي ويثقل كاهل المالية العامة وفي الوقت نفسه لا أستطيع أن أقنع نفسي بأن أي برنامج إصلاحي مهما بدأ مقنعاً على الورق يمكن أن يحقق النتائج الموعودة في ظل دولة لم تنجح حتى الآن في فرض سيطرتها على حدودها ولم تنجح في القضاء على التهريب ولم تنجح في حماية مواردها من عبث مراكز النفوذ والقوة.
وهنا تزداد حيرتي
فأنا أرى بوضوح أن الاستمرار في الوضع الحالي يقودنا إلى مزيد من الاستنزاف لكنني أخشى أيضا أن تقودنا وصفات الإصلاح في ظل هذا الواقع الى نتائج اشد قسوة على المواطن البسيط الذي لم يعد يحتمل أي مغامرة جديدة ولهذا أصبحت أميل إلى الاعتقاد بان ما نراه اليوم من أزمة في دعم المحروقات ليس سببه الحقيقي خللا في البرنامج وحده بل هو في جانب كبير منه انعكاس لفشل الدولة نفسها.
فحين تعجز الدولة عن إدارة الحدود وعن مكافحة التهريب وعن فرض القانون يصبح من الصعب علي أن أصدق أنها ستنجح فجأة في إدارة أي برامج إصلاحية.
وربما لهذا السبب تحديداً لا أزال أبحث عن إجابة مقنعة ولا أزال انتظر من أصحاب كل الاتجاهات أن يقدموا ما يبدد هذه الحيرة.
فانا لم أعد أملك موقفاً مسبقاً بقدر ما أملك أسئلة كثيرة ولا أريد الإنتصار لفكرة بقدر ما أريد الاطمئنان إلى أنها لن تجعل أوضاع المواطن الليبي أكثر صعوبة مما هي عليه اليوم كما أنني أصبحت أميل إلى الاعتقاد بأن جزءاً كبيراً من الجهد الفكري والإعلامي ينبغي أن يوجه نحو مواجهة جوهر المشكلة المتمثل في فشل الدولة وضعف مؤسساتها أكثر من انشغالنا الدائم بالصراع بين بدائل الدعم المختلفة فما جدوى تغيير البرنامج إذا بقيت البيئة التي أفسدته على حالها وما جدوى البحث عن آلية جديدة إذا كانت الدولة نفسها عاجزة عن حماية نتائجها.
ولهذا أجد نفسي حائراً بين واقع لا يمكن الدفاع عنه ومستقبل لا أملك ما يكفي من الثقة للاطمئنان إليه.




