Skip to main content
"الشلوي": هل تتضارب أرقام النفط في ليبيا؟ قراءة فنية للفروق بين البيانات الشهرية والتقارير الرقابية
|

“الشلوي”: هل تتضارب أرقام النفط في ليبيا؟ قراءة فنية للفروق بين البيانات الشهرية والتقارير الرقابية

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

أثارت المقارنة بين البيانات الشهرية المنشورة عن القطاع النفطي والبيانات الواردة في التقارير الرقابية تساؤلات مشروعة حول وجود فروق في أرقام الإنتاج والحصص والأسعار والتحويلات خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2026 .

غير أن القراءة الفنية للأرقام تشير إلى أن جانباً مهماً مما يبدو في ظاهره (( تضارباً )) قد يكون ناتجاً عن اختلاف الأساس الزمني والتصنيف وطريقة تسجيل البيانات ، وليس بالضرورة اختلافاً في حقيقة الإنتاج أو الصادرات أو الإيرادات ..

فالمقارنة الرقمية الصحيحة لا تقوم بمجرد وضع رقم مقابل رقم ، وإنما تتطلب أولاً التأكد من وحدة القياس ، والفترة التي يعود إليها الرقم ، وطبيعة الكمية: هل هي إنتاج فعلي ، أم حصة تعاقدية ، أم كمية مصدرة ، أم مخصصة للتكرير المحلي ، أم إيراد تم تحصيله فعلياً ؟

الإنتاج .. الفروق محدودة

يظهر من الجداول أن بعض بيانات الإنتاج قد تكون مسندة زمنياً بصورة مختلفة بين التقريرين. ومن الأمثلة اللافتة أن رقم 42,507,852 برميلاً الظاهر في أحد الجداول أمام يناير يتطابق مع رقم ديسمبر 2025 في جدول تفصيلي آخر ..

وهذا يفتح احتمال وجود إزاحة زمنية في عرض بعض الأشهر، وبالتالي فإن المقارنة المباشرة شهراً بشهر قبل توحيد أساس الإسناد قد تنتج فروقاً ظاهرية ..

وعند النظر إلى الأشهر المتقابلة بصورة أكثر دقة، نجد أن إجمالي الفروق في الإنتاج خلال ( يناير – يونيو ) يدور حول 336 ألف برميل تقريباً من أصل نحو 246 مليون برميل، أي ما يقارب 0.14% فقط ..

فنياً، هذه نسبة محدودة يمكن أن تنشأ عن تسويات القياس ، وإقفال الشهر ، وتصحيح الكميات أو اعتماد بيانات نهائية لاحقة ، ولا تكفي في حد ذاتها للقول بوجود اختلاف جوهري في بيانات الإنتاج ..

حصة الدولة وحصة المؤسسة.. المصطلح مهم

الملاحظة الأكثر أهمية تتعلق بالمقارنة بين ( حصة الدولة الليبية ) و (حصة المؤسسة ) ..

فهذان المصطلحان لا ينبغي اعتبارهما متطابقين قبل معرفة مكونات كل منهما ..

بل تظهر الجداول أن بعض الأرقام التي أدخلت في المقارنة باعتبارها (حصة الدولة ) هي في الأصل أرقام للنفط الخام المصدر ..

ففي فبراير مثلاً يظهر رقم 26,109,367 برميلاً، بينما حصة الدولة لذلك الشهر بلغت نحو 29.29 مليون برميل. وكذلك في يوليو يظهر رقم 32,347,940 برميلاً، في حين بلغت حصة الدولة نحو 36.01 مليون برميل ..

وهذا يعني أن الفارق المتداول والبالغ قرابة 22 مليون برميل لا يمكن اعتباره مباشرة كمية نفطية مختلفاً عليها بين جهتين ؛ لأن جزءاً من المقارنة يقوم أساساً على بندين مختلفين ..

فالنفط المخصص للمصافي المحلية أو لاستخدامات أخرى داخل الدولة يبقى جزءاً من استحقاق الدولة حتى وإن لم يظهر ضمن الصادرات ..

حصص الشركاء

تظهر أيضاً فروق في حصص الشركاء تبلغ في مجموعها نحو 421 ألف برميل خلال الأشهر المتاحة للمقارنة، بينما تتطابق بعض الأشهر تماماً أو تكاد ..

وهذه الفروق تستحق التفسير ، لكنها تظل محدودة قياساً بإجمالي الإنتاج ..

كما أن حصص الشركاء ترتبط باتفاقيات المشاركة والاستحقاقات ومواعيد الرفع والمخزون والتسويات بين الإنتاج الفعلي والكميات المستلمة ، ولذلك قد تتغير بعض الأرقام عند إجراء المراجعة اللاحقة ..

الأسعار .. المقارنة تحتاج إلى تصحيح زمني

أكثر الأرقام إثارة للانتباه هو الفرق الذي ظهر في مارس بين 70.74 دولاراً و 103.89 دولارات للبرميل، بما يوحي بفارق يزيد على 33 دولاراً ..

لكن التدقيق في تسلسل الأسعار يرجح بقوة أن الرقمين لا يعودان إلى الفترة السعرية نفسها ..

فالبيانات المنشورة تشير إلى أن متوسط برنت بلغ نحو 70.9 دولاراً في فبراير، ونحو 103 دولارات في مارس، ثم قرابة 117 دولاراً في أبريل، و107 دولارات في مايو، و85.4 دولاراً في يونيو ..

ومن ثم فإن ظهور 70.74 دولاراً مقابل 103.89 دولارات قد يكون نتيجة اختلاف في شهر الإسناد أو التسعير أو الشحن ، وليس دليلاً على أن الخام الليبي بيع بخصم يبلغ 33 دولاراً عن برنت ..

كما أن متوسط سعر الخامات الليبية لا يلزم أن يساوي متوسط برنت تماماً؛ فالسعر الفعلي يتأثر بنوعية الخام وتوقيت التسعير وميناء التحميل وشروط العقود والفروقات السعرية المعتمدة ..

التحويلات المالية .. تطابق شبه كامل

في المقابل ، تبدو بيانات التحويلات إلى المصرف الليبي الخارجي شديدة التقارب ..

فإجمالي التحويلات يدور حول 15.79 مليار دولار ، بينما لا يتجاوز الفرق بين الرقمين نحو 466 ألف دولار تقريباً ؛ وهي نسبة متناهية الصغر قياساً بإجمالي المبلغ ..

وهذه درجة عالية من التطابق تستحق أن تؤخذ في الاعتبار عند تقييم موثوقية منظومة البيانات ككل ..

الخلاصة

الأرقام المتاحة لا تقود ، في تقديري ، إلى استنتاج وجود تضارب جوهري في حقيقة النشاط النفطي ، بقدر ما تكشف عن مشكلة في توحيد التعريفات ، والتصنيفات ، وأساس الإسناد الزمني بين التقارير المختلفة ..

وهذا لا يلغي أهمية المراجعة الرقابية، ولا يقلل من ضرورة إصدار قوائم مالية وحسابات ختامية مدققة ، لكنه في الوقت نفسه لا ينتقص من قيمة الإفصاح الشهري ؛ فلكل منهما وظيفة مختلفة ..

الإفصاح الشهري يوفر صورة تشغيلية حديثة ، بينما تأتي المراجعة اللاحقة لتدقيق الأرقام وإجراء التسويات والتأكد من سلامتها محاسبياً ..

وما تحتاجه الدولة اليوم ليس المفاضلة بين بيانات جهة تشغيلية وبيانات جهة رقابية ، وإنما الوصول إلى نظام موحد للمصالحة بين البيانات Reconciliation ، يحدد بوضوح معنى كل بند ، والفترة التي يغطيها، ووحدة القياس ، وتوقيت الاعتراف به ..

فالشفافية لا تعني فقط نشر الأرقام، وإنما أن تكون هذه الأرقام قابلة للفهم والمقارنة والتحقق .. وعند قراءة البيانات المتاحة بهذا المنهج ، فإن الصورة تميل أكثر إلى وجود فروق في التوقيت والتصنيف والتسويات ، وليس إلى وجود تناقض جوهري في بيانات القطاع النفطي ..

مشاركة الخبر