Skip to main content
"الشلوي": بين أرقام النفط وأرقام المركزي.. أين تكتمل صورة المال العام في ليبيا؟
|

“الشلوي”: بين أرقام النفط وأرقام المركزي.. أين تكتمل صورة المال العام في ليبيا؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

قراءة في بيانات يناير–أغسطس 2026: الشفافية مهمة، لكن الصورة المالية لا تكتمل من دون الحلقة الغائبة

عندما تُنشر الأرقام الرسمية، فإن القيمة الحقيقية لها لا تكمن في حجم الرقم وحده، وإنما في قدرتنا على فهم ما وراءه: من أين جاء؟ ومتى تحقق؟ وأين أودع؟ وكيف جرى تحويله؟ وما الذي أُنفق منه؟ وعلى أي أبواب؟

ومن هذه الزاوية، فإن البيانات التي تنشرها المؤسسات العامة ليست مجرد جداول مالية، بل هي أجزاء من صورة اقتصادية واحدة يفترض أن تلتقي في نهايتها أمام المواطن وصانع القرار والخبير.

وفي هذا السياق، يأتي بيان مصرف ليبيا المركزي عن الإيراد والإنفاق حتى 31 أغسطس 2026، بالتزامن مع البيانات الشهرية التي تواصل المؤسسة الوطنية للنفط نشرها حول الإنتاج والإيرادات والتحويلات.

والقراءة المهنية لهذه البيانات لا ينبغي أن تبدأ بالسؤال: «من الرقم الصحيح؟»، وإنما بالسؤال الأكثر أهمية:

كيف نربط الأرقام الصادرة عن المؤسسات المختلفة في منظومة مالية واحدة تجعل حركة المال العام قابلة للتتبع من المنبع إلى المصب؟

المؤسسة الوطنية للنفط.. الإفصاح عن القطاع المنتج

من الإنصاف القول إن المؤسسة الوطنية للنفط قطعت خلال الفترة الأخيرة شوطًا مهمًا في نشر البيانات المتعلقة بالإنتاج والإيرادات.

فالمؤسسة تنشر بصورة دورية ملخصات تتناول إنتاج النفط الخام، وحصة الدولة، وحصة الشركاء، والكميات المتاحة للتصدير، وكميات التكرير، واستخدامات النفط والغاز، إضافة إلى الإيرادات المحصلة والتحويلات والميزانية المستلمة.

وفي بيانات أغسطس 2026 مثلًا، أعلنت المؤسسة إنتاج أكثر من 43.3 مليون برميل من النفط الخام، كما أعلنت تحويل نحو 2.555 مليار دولار إلى الحساب السيادي، إلى جانب الإتاوات وضرائب عقود الامتياز، مع بيان آلية التعامل مع اعتمادات توريد المحروقات.

وهذه الممارسة في الإفصاح تستحق الإشارة إليها؛ لأنها توفر للمتابع الاقتصادي والنفطي مادة أولية مهمة لفهم أداء القطاع.

كما أن نشر البيانات لا يقتصر على الإيرادات، بل يمتد إلى الغاز الطبيعي والكميات المسلمة إلى قطاعات مختلفة، وهو أمر مهم عند تقييم اقتصاد الطاقة الليبي بصورة كلية.

لكن الرقم النفطي ليس هو الرقم المالي النهائي

هنا تبدأ النقطة التي أعتقد أنها تستحق مزيدًا من النقاش الهادئ.

الإيراد الذي تعلنه المؤسسة الوطنية للنفط، والإيراد الذي يظهر في بيانات مصرف ليبيا المركزي، قد لا يكونان بالضرورة الرقم نفسه في التوقيت نفسه أو وفق الأساس المحاسبي نفسه.

فالمؤسسة تتعامل مع الإنتاج والمبيعات والتحصيل والتحويلات والتسويات، بينما يعرض مصرف ليبيا المركزي الإيرادات والإنفاق من منظور التدفقات التي دخلت إلى الحسابات العامة وما تم تسجيله وإنفاقه ضمن المنظومة المالية.

ولذلك فإن مقارنة رقمين من مصدرين مختلفين دون معرفة التاريخ المحاسبي لكل رقم، وطبيعة الإيراد، وآلية التحصيل، والتسويات، والجهة التي مر بها التدفق المالي قد تقود إلى استنتاجات متسرعة.

وقد سبق للمؤسسة أن أوضحت، في أحد بياناتها، أن الإيرادات المحصلة في فبراير كانت تمثل مبيعات النفط الخام الخاصة بشهر يناير، كما شرحت آلية حجز مبالغ لتغطية جزء من تكاليف المحروقات .

وهذه التفاصيل ليست هامشية؛ بل هي جوهر فهم الفروق بين الأرقام.

ماذا يقول بيان مصرف ليبيا المركزي؟

بيان مصرف ليبيا المركزي حتى 31 أغسطس يقدم بدوره صورة مهمة عن جانب الإيرادات والإنفاق.

فالإيرادات الإجمالية بلغت نحو 98.98 مليار دينار، منها نحو 80.8 مليار دينار إيرادات مبيعات نفطية و15.3 مليار دينار إتاوات نفطية، فيما بلغت الإيرادات الأخرى من الضرائب والجمارك والاتصالات وغيرها مستويات أقل بكثير.

أما الإنفاق المسجل فقد بلغ نحو 68.61 مليار دينار، موزعًا بصورة رئيسية بين المرتبات، والنفقات التسييرية، والدعم، والتنمية. ويشير البيان نفسه إلى أن رقم الباب الأول لا يشمل مرتبات شهر أغسطس، وهو تفصيل مهم عند قراءة إجمالي الإنفاق وعدم التعامل معه باعتباره رقمًا نهائيًا مغلقًا للسنة .

هذه الأرقام وحدها تكشف حقيقة اقتصادية أساسية:

المالية العامة الليبية لا تزال شديدة الارتباط بالإيراد النفطي، بينما الجزء الأكبر من الإنفاق العام يذهب إلى بنود جارية واجتماعية وتشغيلية أكثر من ذهابه إلى الاستثمار والتنمية.

وهذه ليست ملاحظة على مؤسسة بعينها، وإنما هي مسألة تتعلق ببنية الاقتصاد والمالية العامة ككل.

المؤسسة ليست هي كل منظومة المال العام

ومن هنا أعتقد أن من المهم الفصل بين المؤسسات والأدوار.

المؤسسة الوطنية للنفط هي الذراع الفني والتجاري للقطاع النفطي، وهي مسؤولة عن الإنتاج والتطوير والتصدير وإدارة النشاط النفطي وفق اختصاصاتها.

أما إدارة المالية العامة، وتحديد الأولويات والميزانية والإنفاق العام والتسويات والحسابات الحكومية، فهي منظومة أوسع من المؤسسة.

ولهذا، فإن تحميل مؤسسة واحدة مسؤولية تفسير كامل حركة المال العام قد لا يكون دقيقًا من الناحية المؤسسية.

وفي المقابل، فإن مطالبة المؤسسة بمزيد من الإفصاح تظل مشروعة، وكذلك مطالبة مصرف ليبيا المركزي بالمزيد من التفصيل، لكن الحاجة الأكبر هي أن تلتقي هذه الإفصاحات في منظومة واحدة.

الحلقة التي نحتاجها: وزارة المالية

وهنا أصل إلى النقطة الأهم في هذه القراءة.

لكي يفهم المواطن والخبير ماذا حدث للمال العام خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، نحتاج إلى رؤية متكاملة من وزارة المالية تربط بين الإيرادات التي تظهر في حسابات الدولة وبين الإنفاق الفعلي، وتوضح أساس التسجيل والتسوية وتوقيت الاعتراف بالإيراد، وتربط الاعتمادات بالمصروفات الفعلية.

بيان مصرف ليبيا المركزي يعطي جانبًا مهمًا من الصورة.

وتقارير المؤسسة الوطنية للنفط تعطي جانبًا مهمًا آخر.

لكن من دون البيانات المالية التفصيلية والمنهجية لوزارة المالية، تظل هناك مسافة بين الرقم النفطي والرقم المالي النهائي.

وهذه المسافة ليست بالضرورة دليلًا على مشكلة أو مخالفة؛ لكنها فجوة معلوماتية ينبغي سدها إذا أردنا الوصول إلى أعلى درجات الشفافية المالية.

فالشفافية الحقيقية لا تعني أن تنشر كل مؤسسة أرقامها فقط.

الشفافية الأكثر نضجًا هي أن يستطيع الباحث أن يأخذ الرقم من مؤسسة، ثم يتتبعه في المؤسسة التالية، ثم يعرف أين استقر، وكيف سُوّي، وفي أي بند ظهر في الحسابات الحكومية.

ما نحتاجه ليس مزيدًا من الأرقام.. بل مزيدًا من الربط

ربما تكون الخطوة الأكثر فائدة الآن هي الانتقال من مفهوم «الإفصاح المنفرد» إلى مفهوم «الإفصاح المتكامل».

أي أن يكون لدينا جدول موحد أو بيان دوري يستطيع من خلاله المتابع معرفة المسار التالي:

الإنتاج النفطي

المبيعات والتصدير

الإيرادات المحصلة

التسويات والخصومات

التحويل إلى الحسابات السيادية

الإيراد المثبت في المالية العامة

الاعتمادات

الإنفاق الفعلي

الرصيد أو العجز التراكمي.

عندها فقط يمكن أن ننتقل من مجرد قراءة الأرقام إلى قراءة الاقتصاد نفسه.

ماذا تقول لنا أرقام الأشهر الثمانية؟

تقول لنا أولًا إن القطاع النفطي ظل العمود الفقري للإيرادات العامة.

وتقول ثانيًا إن حجم الإنفاق الجاري والاجتماعي ما زال كبيرًا مقارنة بالإنفاق التنموي؛ إذ يظهر في بيان المركزي أن الإنفاق على الباب الثالث، أي التنمية، بلغ نحو 912.8 مليون دينار فقط، مقابل 46.9 مليار دينار للباب الأول و11.8 مليار دينار للدعم.

وهذه النسب تستحق نقاشًا اقتصاديًا مستقلًا، لأنها لا تتعلق فقط بحجم الإنفاق، بل بنوعية الإنفاق وقدرته على خلق قيمة مضافة وفرص عمل وتنويع مصادر الدخل.

كما أن اعتماد الاقتصاد على النفط يجعل كل تحسن في الإنتاج أو الأسعار ذا أثر مباشر على المالية العامة، وفي المقابل يجعل أي تراجع في الإنتاج أو الأسعار أو الصادرات مصدر ضغط سريع على الميزانية وسعر الصرف والإنفاق العام.

إنصاف المؤسسة لا يعني إعفاءها من المساءلة

ومن المهم هنا التأكيد على نقطة أراها ضرورية في أي نقاش مهني.

إظهار المؤسسة الوطنية للنفط بصورة إيجابية لا يعني إعفاءها من النقد أو الرقابة.

بل على العكس؛ أفضل حماية للمؤسسة الوطنية للنفط هي المزيد من الشفافية المهنية.

كلما كانت البيانات أكثر تفصيلًا وانتظامًا وقابلية للمقارنة، أصبح من الأسهل الدفاع عن المؤسسة عندما تكون الأرقام في صالحها، وأصبح من الأسهل أيضًا اكتشاف أي خلل عندما يكون هناك خلل.

وهذا هو الفارق بين الدفاع المؤسسي والدفاع الشخصي.

نحن لا نحتاج إلى الدفاع عن الأشخاص.

نحتاج إلى الدفاع عن المؤسسة، والقطاع، والمال العام، وقواعد الحوكمة.

الخلاصة

بيانات المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026 توفر مادة مهمة جدًا لفهم الاقتصاد الليبي، لكنها في الوقت نفسه تكشف الحاجة إلى مستوى أعلى من التكامل في الإفصاح المالي.

المؤسسة الوطنية للنفط تنشر جانبًا مهمًا من قصة النفط.

ومصرف ليبيا المركزي ينشر جانبًا مهمًا من قصة الإيرادات والإنفاق.

لكن القصة الكاملة تحتاج إلى الحلقة المالية التي تربط الاثنين بصورة منهجية، وهنا تبرز أهمية انتظام ونشر البيانات المالية التفصيلية لوزارة المالية.

لذلك فإن السؤال الذي أراه أكثر أهمية من سؤال «أين ذهبت الأموال؟» هو:

كيف تحركت الأموال أصلًا من لحظة إنتاج البرميل حتى لحظة تسجيل الإيراد وإنفاقه؟

فحين نستطيع الإجابة عن هذا السؤال بأرقام مترابطة، وتواريخ واضحة، وتسويات معلنة، نكون قد انتقلنا من الشفافية الشكلية إلى الشفافية القابلة للتدقيق.

وهذا هو المستوى الذي تحتاجه ليبيا اليوم.

ليس المزيد من الجدل حول الأرقام…

بل المزيد من الربط بين الأرقام.

فالأرقام عندما تُفصل عن سياقها قد تُربك الرأي العام، أما عندما تُربط ببعضها فإنها تتحول إلى أداة لفهم الاقتصاد، وتقييم الأداء، وحماية المال العام.

مشاركة الخبر