كتب الخبير المصرفي “نعمان البوري” مقالاً قال خلاله:
عندما يتجاوز الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر الدولار في السوق الموازية 40%، فمن الطبيعي أن يزداد الطلب على الدولار. فالدولار، في النهاية، سلعة لها سعر، وتخضع مثل غيرها لقواعد العرض والطلب.
معالجة سعر الصرف تبدأ من المالية العامة من الخطأ النظر إلى سعر الصرف باعتباره مشكلة نقدية فقط يمكن حلها بقرارات مصرفية أو إدارية. سعر الصرف هو في جانب كبير منه انعكاس للوضع المالي والاقتصادي للدولة.
عندما تتجاوز مصروفات الحكومة إيراداتها، ينشأ عجز يجب تمويله بطريقة أو بأخرى، وإذا استمر الإنفاق العام في الارتفاع دون أن يقابله نمو حقيقي في الإيرادات ومصادر الإنتاج، فإن الضغط على الموارد، وعلى النقد الأجنبي تحديداً، يزداد وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات النفط، تصبح المسألة أكثر حساسية.
فالإنفاق الحكومي يتحول إلى طلب على السلع والخدمات وجزء كبير من هذه السلع والخدمات يتم استيراده من الخارج، ما يعني في النهاية زيادة الطلب على العملات الأجنبية.
وهكذا تبدأ الحلقة:
عجز مالي → إنفاق حكومي مرتفع → زيادة الطلب على السلع والاستيراد → زيادة الطلب على الدولار → ضغط على سوق الصرف → اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي.
لذلك فإن محاولة علاج سعر الصرف فقط، من دون معالجة العجز الذي يغذي الطلب، تشبه معالجة العرض دون معالجة السبب.
عندما يكون الدولار متاحاً بسعر رسمي أقل بكثير من سعره الحقيقي في السوق، فإن الفارق نفسه يصبح حافزاً اقتصادياً.
وكلما اتسعت الفجوة، زادت قيمة الاستفادة من الحصول على الدولار بالسعر الرسمي، وارتفعت الحوافز للمضاربة وسوء تخصيص النقد الأجنبي، وهنا تتحول سياسة سعر الصرف من أداة لتحقيق الاستقرار إلى مصدر لتشوهات اقتصادية.
لذلك، فإن استمرار الدفاع عن سعر رسمي لا يتوافق مع أساسيات السوق قد يكون أكثر كلفة من الاعتراف بالمشكلة ومعالجتها تدريجياً.
البداية الحقيقية: ضبط العجز
لا يمكن للسياسة النقدية أن تصلح أخطاء السياسة المالية إلى ما لا نهاية البنك المركزي يستطيع استخدام أدوات نقدية مختلفة للتخفيف من الضغوط على العملة، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يعالج عجزاً مالياً مستمراً.
ولهذا فإن أي استراتيجية جادة لاستقرار سعر الصرف يجب أن تكون جزءاً من سياسة اقتصادية متكاملة تجمع بين السياسة المالية والنقدية والتجارية.
ماذا نحتاج؟
نحتاج أولاً إلى شفافية حقيقية في المالية العامة، ومعرفة حجم الإيرادات والمصروفات والعجز الفعلي.
ثم نحتاج إلى وضع سقف واضح للإنفاق الحكومي يتناسب مع الإيرادات المستدامة، وليس مع توقعات متفائلة لأسعار النفط أو إنتاجه.
ونحتاج كذلك إلى توجيه الإنفاق نحو الاستثمار والإنتاج، بدلاً من الاستمرار في توسيع الإنفاق الجاري.
بعد ذلك فقط يمكن أن تصبح معالجة سعر الصرف جزءاً من حل مستدام، لا مجرد محاولة مستمرة لمعالجة أعراض المشكلة، استقرار العملة يبدأ من استقرار المالية العامة.




