
| مقالات اقتصادية
“الشلوي”: تباين بيانات الإيرادات النفطية.. بين تحصيل الإيراد وتسوية الالتزامات المالية
كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً.. قراءة تحليلية من منظور نفطي واقتصادي
من المهم، عند مناقشة التباين بين الأرقام المعلنة للإيرادات النفطية، التمييز بين مسارين ماليين مختلفين: مسار تحصيل الإيرادات الناتجة عن بيع النفط الخام وتوريدها إلى الحسابات المصرفية المخصصة، ومسار تسوية قيمة المحروقات الموردة للسوق المحلي، وفقاً للترتيبات والقرارات المالية المعتمدة.
فالمؤسسة الوطنية للنفط تضطلع بمسؤوليات الإنتاج والتصدير والتسويق وتحصيل الإيرادات النفطية، وتؤكد بياناتها أنها تودع الإيرادات لدى المصرف الليبي الخارجي، أما تسوية قيمة المحروقات، فتتم وفق آليات مالية معتمدة، تشمل الاعتمادات المستندية المفتوحة لمصلحة الموردين، وتخصيص قيمتها وفق الإجراءات المعمول بها، ثم إحالة الرصيد المتبقي إلى مصرف ليبيا المركزي.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن المؤسسة لا تحدد منفردة جميع عناصر هذه المنظومة المالية؛ إذ ترتبط آلية التسوية بقرارات وترتيبات تتداخل فيها مسؤوليات جهات تنفيذية ومالية ورقابية، وقد أوضح بيان المؤسسة الأخير أن الآلية المالية المعمول بها أُقرت في إطار التنسيق بين مجلس الوزراء، وديوان المحاسبة، ومكتب النائب العام، ومحافظ مصرف ليبيا المركزي، والمصرف الليبي الخارجي، وأن استقطاع قيمة اعتمادات توريد المحروقات يتم وفق الاتفاق المعتمد بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 525 لسنة 2026، على أن يُحال الرصيد المتبقي إلى مصرف ليبيا المركزي.
وسبق للمؤسسة أن أوضحت أن آلية توريد المحروقات عبر الاعتمادات المستندية تتم وفق ترتيبات مالية متفق عليها مع وزارة المالية ومصرف ليبيا المركزي، وتحت إشراف الجهات الرقابية ومكتب النائب العام، وهذا التمييز مهم لفهم توزيع الأدوار بين اعتماد الترتيبات المالية، وتنفيذ إجراءات التوريد والتسوية، والإشراف والرقابة عليها.
الخلفية التاريخية تفسر جانباً مهماً من المشهد
إن فهم التباين الحالي يستلزم العودة إلى التطور التاريخي لآليات تمويل المحروقات؛ فالمقاصة بين قيمة النفط الخام وتكاليف توريد الوقود ليست إجراءً مستحدثاً في عام 2025، بل تعود سوابق استخدامها إلى عام 2012، فيما جرى اعتمادها بقرار من مجلس الوزراء في عام 2021، واتسع الاعتماد عليها تدريجياً حتى أصبحت، بحلول عام 2022، الآلية الرئيسية لتأمين واردات الوقود، في ظل تراجع المخصصات المالية اللازمة لتغطية تكاليف التوريد.
وقد استمر العمل بهذه الآلية خلال فترات إدارية متعاقبة، بما في ذلك فترة الإدارة التي سبقت الإدارة السابقة للمؤسسة الوطنية للنفط، قبل الإعلان عن إيقاف نظام المبادلة اعتباراً من مارس 2025، ثم الانتقال إلى ترتيبات الاعتمادات المستندية التي بدأ العمل بها، وفق بيانات المؤسسة، اعتباراً من فبراير 2026.
وتكشف هذه الخلفية أن ملف المحروقات يرتبط بتراكمات مالية وإجرائية امتدت لسنوات، ولا يمكن اختزاله في إدارة واحدة أو في مقارنة رقمية بين بيانات مؤسستين دون تتبع تطور آليات التمويل والتسوية والقرارات المنظمة لها، ومن ثم، فإن تحديد المسؤوليات يقتضي الرجوع إلى القرارات النافذة في كل مرحلة، والتمييز بين اعتماد آلية التمويل، وتنفيذ توريدات المحروقات، وتسوية قيمتها، وإظهار أثرها في الحسابات المصرفية.
ثلاثة مسارات مالية لا ينبغي الخلط بينها
من الناحية المحاسبية، ينبغي التمييز بين ثلاث عمليات مترابطة، لكنها ليست متطابقة:
أولاً: تحصيل الإيرادات النفطية. ويشمل إنتاج النفط وتصديره وتسويقه وتحصيل قيمته، ثم إيداع الإيرادات في الحساب المصرفي السيادي المخصص وفق الإجراءات المعتمدة، وهذا هو المسار الذي ينبغي تقييم أداء المؤسسة الوطنية للنفط فيه، استناداً إلى بيانات المبيعات والتحصيل والإيداع الفعلي.
ثانياً: تسوية قيمة المحروقات. وتشمل تحديد الالتزامات المستحقة لموردي الوقود، وفتح الاعتمادات المستندية أو تطبيق آلية التسوية المعتمدة، وفق القرارات والإجراءات المالية النافذة، وهنا تبرز أهمية تحديد الجهة التي تعتمد الالتزامات، والجهة التي تصدر التعليمات، والجهة التي تنفذ التسوية فعلياً، والجهات التي تتولى الإشراف والرقابة.
ثالثاً: إحالة الرصيد إلى المصرف المركزي. وهي المرحلة التي ينبغي فيها مطابقة إجمالي الأموال المحصلة مع المبالغ التي خُصصت لتسوية الالتزامات والمبالغ التي جرى تحويلها بالفعل إلى مصرف ليبيا المركزي، مع مراعاة تواريخ القيود والتحويلات.
وبناءً على ذلك، إذا كانت الأرقام المنشورة من المؤسسة تمثل إجمالي الإيرادات المحصلة والمودعة، بينما تمثل أرقام المصرف المركزي المبالغ المحالة إليه بعد تسوية المحروقات، فإن المقارنة المباشرة بين الرقمين، دون توحيد أساس القياس والفترة الزمنية، لا تعطي صورة مالية مكتملة.
لكن إثبات أن كامل الفارق يعود إلى المحروقات يتطلب مطابقة كشوف الحسابات المصرفية، والاعتمادات المفتوحة والمنفذة، وتواريخ التسوية والتحويل، فلا يكفي وجود آلية للاستقطاع وحده لإثبات أن الفارق بأكمله قد سُوّي بموجبها.
أين ينبغي أن تتجه المساءلة؟
إن جوهر المسألة ليس مجرد اختلاف بين رقمين، بل ضرورة تفسير المسار الكامل للأموال منذ تحصيل الإيراد النفطي وحتى وصول الرصيد إلى المصرف المركزي.
فإذا كانت المؤسسة قد حصّلت الإيرادات وأودعتها وفق المستندات المصرفية، وأبرزت ذلك في بيانات منفصلة ومنشورات دورية تتضمن الإيرادات المحصلة والمحالة إلى الحساب السيادي، فإن تقييم هذا الجانب يجب أن يستند إلى تلك المستندات، لا إلى صافي المبالغ التي تظهر لاحقاً في حسابات جهة أخرى.
وفي المقابل، فإن تسوية المحروقات وتحديد الالتزامات المستحقة وآلية تمويلها وإظهار أثرها المالي تستلزم الإفصاح عن القرارات والاعتمادات والقيود ذات الصلة، كلٌّ بحسب اختصاصه.
وفي هذا السياق، فإن ذكر الجهات التي أُقرت الآلية في إطار التنسيق بينها ليس تفصيلاً إدارياً، بل عنصر أساسي لفهم المسؤوليات، فمجلس الوزراء هو الجهة التي صدر عنها القرار المشار إليه في اعتماد الاتفاق، بينما يندرج دور مصرف ليبيا المركزي والمصرف الليبي الخارجي ضمن المسار المصرفي والمالي، وتدخل وزارة المالية ضمن الترتيبات المتعلقة بتمويل المحروقات، فيما يضطلع ديوان المحاسبة ومكتب النائب العام بأدوارهما الرقابية والقانونية وفق اختصاص كل منهما.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه الجهات تؤدي الوظيفة نفسها أو تتحمل المسؤولية ذاتها عن كل معاملة؛ بل إن تحديد المسؤولية الفعلية يستلزم الرجوع إلى نص القرار والاتفاق المعتمد والتعليمات التنفيذية والمستندات المصرفية، لتحديد الجهة التي اعتمدت كل إجراء، والجهة التي نفذته، والجهة المسؤولة عن تسجيله والإفصاح عنه.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تُحدَّد بمجرد النظر إلى الجهة التي أعلنت رقماً أكبر أو أصغر، وإنما بتحديد طبيعة الرقم، والفترة التي يغطيها، والمرحلة المالية التي يعكسها، والجهة التي تملك المستندات والصلاحية المتعلقة بها.
كما ينبغي ألا يُفهم هذا الطرح باعتباره إعفاءً مسبقاً لأي جهة من المساءلة؛ فالمعيار المهني واحد للجميع: ما الذي تم تحصيله؟ وما الذي أُودع؟ وما الذي خُصص لتسوية الالتزامات؟ وما الذي حُوّل فعلياً؟ ومن اعتمد كل إجراء ونفذه؟ وكيف انعكست تلك العمليات في الحسابات المالية المنشورة؟
الشفافية المطلوبة: كشف موحد لدورة الإيراد
من منظور اقتصادي ومؤسسي، فإن المعالجة الصحيحة تقتضي نشر تسوية مالية دورية موحدة تتضمن:
- إجمالي الإيرادات النفطية المحصلة والمودعة، مع تحديد الفترة الزمنية.
- قيمة المحروقات المستوردة والالتزامات المستحقة لمورديها.
- قيمة الاعتمادات المستندية المفتوحة والمنفذة، مع التمييز بين الالتزامات المعتمدة والمدفوعات الفعلية.
- المبالغ التي سُوّيت أو خُصصت للمحروقات، وتواريخ القيود المحاسبية ذات الصلة.
- صافي التحويلات إلى مصرف ليبيا المركزي، مع توضيح الفروق الزمنية وأي مبالغ معلقة أو غير مسوّاة.
- القرار أو الاتفاق الذي استندت إليه كل تسوية، والجهة التي اعتمدت الإجراء، والجهة التي نفذته، والجهات التي تولت الإشراف والرقابة عليه.
إن نشر هذه البيانات في إطار متكامل من شأنه أن يضع حداً لكثير من الالتباس لدى الرأي العام، ويمنع الخلط بين أداء المؤسسة في تحصيل الإيرادات النفطية وبين إدارة الالتزامات المالية وتسويتها بعد التحصيل.
كما أن الإفصاح عن المسار المالي الكامل يتيح التحقق من أن المبالغ المخصصة للمحروقات تقابل التزامات فعلية، وأن الاعتمادات التي خُصصت لها قد نُفذت وفق الإجراءات المعتمدة، وأن الرصيد المتبقي قد أُحيل إلى المصرف المركزي بصورة قابلة للمطابقة والتدقيق.
الخلاصة
إن الدفاع عن الشفافية في قطاع النفط لا يعني الانحياز إلى مؤسسة ضد أخرى، كما أن إظهار الإيرادات المحصلة لا يغني عن تفسير كيفية إدارتها وتسويتها بعد ذلك، فالإيراد النفطي، والمبالغ المخصصة لتغطية تكاليف المحروقات، وصافي التحويلات إلى المصرف المركزي، مؤشرات مترابطة، لكنها ليست بالضرورة رقماً واحداً.
وعليه، فإن تحميل المؤسسة الوطنية للنفط مسؤولية كامل الفارق بين بياناتها وبيانات المصرف المركزي، قبل التحقق من حركة الأموال والقرارات المنظمة للتسوية، لا يستند إلى أساس محاسبي مكتمل، وفي الوقت نفسه، فإن تحديد المسؤولية النهائية يتطلب مطابقة البيانات والمستندات، لا الاكتفاء بالاستنتاجات.
إن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل تقديم صورة مالية متكاملة تكشف مسار الإيرادات النفطية من التحصيل إلى التسوية والتحويل، وتحدد مسؤولية كل جهة وفق اختصاصها الفعلي، في ضوء قرار مجلس الوزراء رقم 525 لسنة 2026 والاتفاق المعتمد بموجبه، وما يرتبط بهما من إجراءات مصرفية ورقابية.
فالمؤسسة التي تعلن إيراداتها وتوضح ما قامت بتحصيله وإيداعه ينبغي أن يُقيَّم أداؤها في هذا الجانب وفق مستندات التحصيل والتوريد، كما ينبغي أن تُقيَّم عمليات التسوية والتحويل والإفصاح المالي وفق المستندات والاختصاصات ذات الصلة، وبهذا وحده يمكن الانتقال من المقارنة المجتزأة بين الأرقام إلى المساءلة المؤسسية القائمة على الوقائع.
فالشفافية الحقيقية لا تقتصر على إعلان الإيراد، بل تمتد إلى بيان مساره كاملاً، من لحظة تحصيله إلى تسوية الالتزامات المرتبطة به ووصول الرصيد النهائي إلى الخزانة العامة.


