Skip to main content
"البوري": هل يجوز للحكومات الاقتراض لتمويل الإنفاق الاستهلاكي؟
|

“البوري”: هل يجوز للحكومات الاقتراض لتمويل الإنفاق الاستهلاكي؟

كتب: الخبير المصرفي “نعمان البوري” مقالاً

بين تمويل التنمية وترحيل أعباء الحاضر إلى الأجيال القادمة

ليس كل اقتراض حكومي أمراً سلبياً، كما أن الدين العام ليس بالضرورة مؤشراً على سوء الإدارة المالية، فالدول المتقدمة والنامية على حد سواء تلجأ إلى الاقتراض لتمويل مشاريع وبرامج قد تكون ضرورية لتحقيق النمو الاقتصادي.

لكن السؤال الحقيقي ليس: هل يجوز للحكومة أن تقترض؟

بل السؤال الأهم هو: لماذا تقترض؟ وأين ستذهب الأموال؟ ومن سيسدد ثمن هذا الاقتراض مستقبلاً؟

وهنا يجب التمييز بوضوح بين الاقتراض لتمويل التنمية والاستثمار، والاقتراض لتمويل الاستهلاك والإنفاق الجاري المتكرر.

الاقتراض من أجل المستقبل

الاقتراض الحكومي يمكن أن يكون أداة اقتصادية إيجابية عندما يوجه إلى بناء أصول جديدة، وتطوير البنية التحتية، وتحسين شبكات الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات، وتطوير التعليم والصحة، ودعم القطاعات الإنتاجية، والاستثمار في التكنولوجيا ورأس المال البشري.

فالمال المقترض، في هذه الحالة، لا يختفي بمجرد إنفاقه، وإنما يتحول إلى أصل أو قدرة إنتاجية يمكن أن تولد قيمة اقتصادية لسنوات طويلة.

إذا اقترضت الدولة لبناء محطة كهرباء، أو ميناء، أو شبكة نقل، أو بنية رقمية، أو مشروع إنتاجي قادر على تحقيق عائد اقتصادي، فإنها لا تنفق فقط، بل تبني قدرة مستقبلية يمكن أن تساهم في زيادة الإنتاج والدخل وفرص العمل والإيرادات العامة.

وهذا هو الاقتراض الذي يمكن الدفاع عنه اقتصادياً: دين اليوم مقابل أصل أو قدرة اقتصادية تستفيد منها أجيال الغد.

أما الاقتراض لتمويل الاستهلاك… فالقصة مختلفة

المشكلة تبدأ عندما يتحول الاقتراض إلى وسيلة لتمويل الرواتب والدعم والتحويلات والمصروفات الحكومية الجارية التي تتكرر كل عام دون أن تقابلها زيادة مماثلة في القدرة الإنتاجية للدولة.

في هذه الحالة، تقوم الحكومة باستهلاك موارد اليوم، بينما تترك أصل الدين وتكلفته للأعوام القادمة.

بعبارة أكثر وضوحاً:

ينتهي أثر الإنفاق، لكن الدين لا ينتهي.

فالراتب الذي تم تمويله بالدين يُدفع وينتهي أثره الاقتصادي المباشر، والدعم يُستهلك، والمصروفات الجارية تتكرر، لكن الالتزام المالي الناتج عن الاقتراض يبقى قائماً، وقد تضاف إليه تكاليف خدمة الدين.

وهنا يصبح الاقتراض، بدلاً من أن يكون أداة لبناء المستقبل، وسيلة لترحيل مشكلة الحاضر إلى المستقبل.

وماذا عن الصكوك؟

قد يرى البعض أن إصدار الصكوك يختلف عن الاقتراض التقليدي، وهذا صحيح من الناحية الهيكلية والشرعية والقانونية.

لكن علينا ألا نخلط بين شكل التمويل والنتيجة الاقتصادية لاستخدامه.

فإذا أُصدرت الصكوك لتمويل مشروع منتج أو أصل اقتصادي حقيقي قادر على خلق قيمة وعوائد مستقبلية، فإنها يمكن أن تكون أداة مهمة لتمويل التنمية.

أما إذا استخدمت الصكوك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لتمويل عجز استهلاكي متكرر أو مصروفات جارية لا تنتج دخلاً مستقبلياً، فإن تغيير اسم الأداة التمويلية لا يغير جوهر المشكلة.

الصكوك ليست حلاً سحرياً للعجز.

العبرة ليست في أن نسمي التمويل سندات أو صكوكاً، وإنما في السؤال الأساسي:

ماذا اشترينا بهذا الدين؟ وماذا سيبقى بعد إنفاقه؟

عندما يتحول الاقتراض إلى دائرة مفرغة

الخطر الأكبر لا يكمن فقط في حجم الدين، وإنما في استخدام الدين بطريقة تؤدي إلى الحاجة إلى دين جديد.

وهنا يمكن أن تبدأ دائرة خطيرة:

الاقتراض → تمويل الاستهلاك → عدم خلق قدرة إنتاجية جديدة → عدم توليد إيرادات إضافية → الحاجة إلى اقتراض جديد → خدمة الديون السابقة → مزيد من الضغوط على الميزانية → مزيد من الاقتراض.

وبمرور الوقت، قد تجد الدولة نفسها تقترض ليس لتمويل التنمية، وإنما لتمويل جزء من أعباء الديون السابقة.

وهنا يتحول الدين من أداة للتنمية إلى عبء على المالية العامة.

هل يعني ذلك أن الاقتراض لتمويل الإنفاق الجاري ممنوع دائماً؟

بالتأكيد لا.

هناك ظروف استثنائية قد تضطر فيها الحكومات إلى الاقتراض لمواجهة أزمات مؤقتة، أو كوارث، أو صدمات اقتصادية، أو انخفاض حاد ومؤقت في الإيرادات.

لكن هناك فرقاً جوهرياً بين الاقتراض كجسر مؤقت لعبور أزمة، وبين تحويل الاقتراض إلى مصدر دائم لتمويل عجز هيكلي في الميزانية الجارية.

الأول قد يكون قراراً استثنائياً ومدروساً.

أما الثاني فهو مؤشر خطير على أن نموذج المالية العامة نفسه غير مستدام.

ليبيا: السؤال أكثر إلحاحاً

في الحالة الليبية، تصبح هذه المسألة أكثر أهمية.

ليبيا دولة تمتلك مورداً طبيعياً استثنائياً هو النفط، لكن النفط في حد ذاته ليس اقتصاداً متنوعاً ومستداماً.

إذا استمرت الدولة في استخدام الإيرادات النفطية لتمويل الاستهلاك فقط، ثم لجأت في الوقت نفسه إلى الاقتراض لتمويل العجز المتزايد، فإنها لا تعالج المشكلة، وإنما تؤجلها وتزيد كلفتها.

الثروة النفطية يجب ألا تكون مجرد مصدر لتمويل الاستهلاك، بل رأس مال لبناء اقتصاد قادر على الاستمرار عندما تتراجع عائدات النفط أو ينضب المورد.

وهذا يعني توجيه جزء أكبر من الموارد إلى الاستثمار في البنية التحتية، والطاقة، والتعليم، والصحة، والتكنولوجيا، والزراعة، والصناعة، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي، والقطاع الخاص.

كما يعني بناء مشاريع تستطيع خلق وظائف حقيقية، وزيادة الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتوسيع قاعدة الإيرادات خارج النفط.

قبل أن نقترض، يجب أن نسأل خمسة أسئلة

قبل أن توافق أي حكومة على اقتراض جديد، يجب أن تكون هناك إجابات واضحة على الأقل عن خمسة أسئلة:

  1. لماذا نقترض؟
  2. أين ستذهب الأموال؟
  3. هل سيخلق الإنفاق أصلاً أو قدرة إنتاجية جديدة؟
  4. كيف سيولد المشروع عائداً اقتصادياً أو إيرادات مستقبلية؟
  5. من سيدفع تكلفة هذا الدين، وماذا سيترك هذا الدين للأجيال القادمة؟

إذا لم نستطع الإجابة عن هذه الأسئلة بوضوح، فعلينا أن نتوقف قبل أن نقترض.

القاعدة التي يجب ألا نختلف عليها

الحكومات لا ينبغي أن تتعامل مع الاقتراض باعتباره مصدراً إضافياً

مشاركة الخبر