
| مقالات اقتصادية
الشلوي: قراءة فنية واقتصادية لبيانات المؤسسة الوطنية للنفط لشهر يوليو 2026 في ضوء الأرقام الرسمية
كتب: الخبير النفطي والاقتصادي ” عبدالمنصف الشلوي” مقالاً
تواصل المؤسسة الوطنية للنفط ترسيخ نهج الإفصاح والشفافية من خلال نشر بيانات شهرية تفصيلية تشمل الإنتاج، والإيرادات، وحصص الشركاء، وكميات التكرير، والتصدير، وإنتاج الغاز الطبيعي.
ويُعد هذا المستوى من الإفصاح تطوراً مؤسسياً مهماً، لأنه يتيح للمتخصصين والرأي العام قراءة المؤشرات الاقتصادية استناداً إلى بيانات رسمية، ويثري النقاش المهني حول القطاع الذي يمثل المصدر الرئيس للدخل في ليبيا.
وفي هذا السياق، طرح عدد من الزملاء الخبراء الاقتصاديين تساؤلات مهنية مشروعة حول انخفاض الإيرادات النفطية خلال شهر يوليو، والتي بلغت نحو 2.265 مليار دولار، رغم أن متوسط سعر خام برنت خلال الشهر كان في حدود 85.5 دولاراً للبرميل، مع تسجيل مستويات أعلى خلال بعض أيام التداول.
كما أشاروا إلى أن استمرار ارتفاع فاتورة استيراد الوقود قد يفرض ضغوطاً إضافية على المالية العامة وسعر صرف الدينار، وهي ملاحظات تستحق كل التقدير لما تعكسه من حرص على سلامة الاقتصاد الوطني.
ومن وجهة نظري، فإن هذه التساؤلات تكتسب أهمية أكبر عندما تُقرأ بالتوازي مع البيانات التشغيلية التي نشرتها المؤسسة الوطنية للنفط، لأن الإيرادات الشهرية في صناعة النفط لا تتحدد بسعر البرميل وحده، وإنما تتأثر بمجموعة من العوامل الفنية والتجارية والمالية التي تحكم دورة الإنتاج والتسويق والتحصيل.
فوفقاً للبيانات الرسمية، بلغ إنتاج النفط الخام خلال شهر يوليو 41.714 مليون برميل، بينما بلغت حصة الدولة الليبية 36.009 مليون برميل، مقابل 7.974 مليون برميل تمثل حصة الشركاء وفق الاتفاقيات النفطية.
كما جرى تحويل 3.221 مليون برميل إلى المصافي المحلية لتلبية احتياجات السوق، وتخصيص نحو 439.6 ألف برميل لتشغيل محطتي أوباري ومليتة، في حين بلغ إجمالي الكميات المصدرة 32.348 مليون برميل.
كما أظهرت البيانات أن إنتاج الغاز الطبيعي بلغ نحو 75.3 مليار قدم مكعب، خُصص منها حوالي 73.6 مليار قدم مكعب للاستهلاك المحلي، بينما بلغ الغاز المستخدم فعلياً نحو 53.1 مليار قدم مكعب، وهو ما يعكس استمرار الدور المحوري للغاز في تشغيل محطات الكهرباء والصناعات المحلية، ويؤكد في الوقت نفسه أهمية الإسراع في تنفيذ مشاريع تطوير الغاز، لما لها من أثر مباشر في تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود السائل المستورد.
ومن المهم أيضاً ملاحظة أن المؤسسة أوضحت بأن الكميات المتاحة للتصدير لا تعني بالضرورة أن جميعها تم إنتاجها خلال الشهر نفسه، إذ قد تشمل كميات مرحّلة من المخزون، كما أن تحصيل الإيرادات يرتبط بتوقيت تحميل الشحنات، وآجال السداد، ونوعية الخام، والفروق السعرية، وحركة المخزون، وهي عوامل معروفة في صناعة النفط العالمية، وتؤثر بطبيعتها في قيمة الإيرادات المحققة خلال أي شهر.
وفي تقديري، هناك جانب آخر لا يقل أهمية عند تحليل هذه الأرقام، وهو أن ارتفاع أسعار خام برنت لا ينعكس فقط على زيادة قيمة النفط المصدر، بل ينعكس في الوقت ذاته على ارتفاع أسعار المشتقات النفطية في الأسواق العالمية.
وبما أن ليبيا لا تزال تعتمد على استيراد جزء مهم من احتياجاتها من البنزين والديزل ووقود تشغيل بعض محطات الكهرباء، فإن ارتفاع الأسعار العالمية يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تكلفة هذه الواردات.
وبالتالي، فإن أي تقييم للأثر المالي ينبغي أن ينظر إلى المعادلة الاقتصادية بكاملها؛ فمن جهة ترتفع قيمة الصادرات النفطية، ومن جهة أخرى ترتفع تكلفة استيراد المشتقات النفطية.
وإذا كانت التقديرات المتداولة تشير إلى أن فاتورة استيراد الوقود قد تدور حول 1.3 مليار دولار خلال الفترة، فإن ذلك يوضح أن جزءاً مهماً من الزيادة الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط العالمية قد يقابله ارتفاع مماثل في تكلفة الاستيراد، وهو ما يجعل صافي الأثر المالي أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة سعر البرميل بالإيرادات الشهرية.
ومن هنا، فإن استمرار ارتفاع فاتورة استيراد الوقود لا ينبغي تفسيره باعتباره مؤشراً على أداء المؤسسة الوطنية للنفط وحدها، بل هو انعكاس لتحديات هيكلية تراكمت عبر سنوات، من أبرزها محدودية الطاقة التكريرية، واستمرار الاعتماد على استيراد جزء من المشتقات النفطية، وتزايد الطلب المحلي على الوقود والكهرباء. ولذلك فإن المعالجة المستدامة تكمن في التوسع في استخدام الغاز الطبيعي، وزيادة الطاقة التكريرية، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، بما يسهم في تقليل فاتورة الاستيراد وتعظيم القيمة المضافة للثروة النفطية داخل الاقتصاد الوطني.
ومن الإنصاف أيضاً الإشارة إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط لم تكتفِ بالإعلان عن قيمة الإيرادات، بل نشرت في الوقت ذاته بيانات تفصيلية عن الإنتاج، والتصدير، والتكرير، وحصص الشركاء، وإنتاج الغاز، وهي معلومات تشكل قاعدة علمية لأي قراءة اقتصادية أو مالية موضوعية.
وكلما ارتفع مستوى الإفصاح، أصبحت التحليلات أكثر دقة، واتسعت مساحة النقاش المهني المبني على البيانات الرسمية، وهو ما يصب في مصلحة الدولة ومؤسساتها والرأي العام.
ولعل من المفيد أيضاً أن تُقرأ هذه المؤشرات ضمن سياق زمني أوسع، لا أن تُعزل في إطار شهر واحد فقط. فالمقارنة بين البيانات الشهرية المتعاقبة للإنتاج والصادرات والإيرادات، وربطها بمتوسط أسعار النفط العالمية وتطورات سوق الطاقة، توفر فهماً أدق لاتجاهات الأداء، وتساعد على التمييز بين التغيرات المؤقتة والتحولات الهيكلية.
ولهذا، فإن القراءة التراكمية لبيانات الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 ستكون أكثر قدرة على تفسير العلاقة بين الإنتاج والإيرادات، وقياس أثر أسعار النفط العالمية، وتقدير الانعكاسات الحقيقية لفاتورة استيراد الوقود على صافي العائد النفطي.
وفي تقديري، فإن القضية الأهم ليست تفسير إيرادات شهر واحد، وإنما كيفية تعظيم صافي العائد الاقتصادي من كل برميل نفط وكل قدم مكعب من الغاز تنتجه ليبيا.
ويتطلب ذلك الاستمرار في تطوير مشاريع الغاز، ورفع كفاءة المصافي، وتقليل الاعتماد على استيراد الوقود، وتعزيز التكامل بين قطاعات الإنتاج والتكرير والكهرباء، بما ينعكس إيجاباً على المالية العامة والاحتياطيات من النقد الأجنبي.
وفي الختام، فإن اختلاف زوايا النظر بين الخبراء الاقتصاديين والمتخصصين في قطاع النفط أمر طبيعي ويثري النقاش العام، لأن كلاً منهما ينطلق من منظور مهني مختلف. وعندما تُقرأ البيانات الاقتصادية جنباً إلى جنب مع البيانات التشغيلية، تصبح الصورة أكثر اكتمالاً، ويكون النقاش أكثر فائدة لصانع القرار والرأي العام.
ولعل أهم ما يميز هذا النقاش أنه استند إلى بيانات رسمية وفرتها المؤسسة الوطنية للنفط في إطار التزامها المتواصل بالإفصاح والشفافية، وهي ممارسة مؤسسية تستحق الدعم، لأنها تمثل الأساس الذي تُبنى عليه القراءات العلمية الرصينة، وتسهم في ترسيخ ثقافة الحوار المهني القائم على الأرقام والحقائق، بما يخدم المصلحة الوطنية في نهاية المطاف.





