Skip to main content
"حسني بي": حذاري، السياسة قد تؤجل القرار… لكن الاقتصاد لا يؤجل الفاتورة
|

“حسني بي”: حذاري، السياسة قد تؤجل القرار… لكن الاقتصاد لا يؤجل الفاتورة

كتب: رجل الأعمال “حسني بي” مقالاً

في النقاش الدائر حول أزمة السياسة النقدية في ليبيا، أتفق مع الطرح القائل إن الاقتصاد الليبي لا يمكن التعامل معه بمجرد إسقاط النظريات الاقتصادية التقليدية عليه، في ظل اقتصاد ريعي، وانقسام مؤسسي، وإنفاق عام غير منضبط، وتمويل بالعجز، وتضخم في الكتلة النقدية.

لكنني أختلف مع فكرة أن نكتفي بإدارة الأزمة وتخفيف حدتها إلى حين انتهاء الانقسام السياسي وتوحيد المؤسسات واعتماد ميزانية عامة واحدة.

فالاقتصاد لا ينتظر السياسة، والسوق لا ينتظر اكتمال الدولة.

الواقعية الاقتصادية، في تقديري، لا تعني تأجيل القرار، وإنما اتخاذ القرار الممكن اليوم، ومقارنة تكلفته بتكلفة عدم اتخاذه.

وينطبق ذلك بصورة مباشرة على سعر الصرف وآلية بيع النقد الأجنبي.

فعندما يكون السعر الرسمي بعيداً عن سعر التوازن الذي تفرضه العلاقة بين عرض الدينار والطلب على الدولار، يظهر تلقائياً سعر آخر في السوق الموازية. وكلما اتسعت الفجوة بين السعرين، تحولت إلى فرصة ربح وريـع يشجع المضاربة ويخلق طلباً إضافياً على الدولار لا يرتبط بالاستيراد أو الإنتاج، وإنما بالاستفادة من فارق السعر نفسه.

لذلك فالسؤال ليس: هل نبيع الدولار أم لا؟
السؤال الحقيقي هو: بأي سعر نبيعه؟ وبأي آلية؟ وهل آلية البيع تقلص الفجوة أم تعيد إنتاجها؟
لكن يجب أيضاً ألا نقلب العلاقة بين السبب والنتيجة.

سعر الصرف ليس أصل الأزمة، بل أحد أهم أعراضها ومخرجاتها.

المصدر الأساسي للاختلال هو استمرار إنفاق عام يتجاوز قدرة الإيرادات والموارد المتاحة، ثم خلق المزيد من الدينارات لتمويله، وبعد ذلك محاولة تثبيت سعر هذه الدينارات إدارياً أمام كمية محدودة من الدولار.

وهنا تبدأ الحلقة المفرغة: عجز وخلق للنقود، ثم تضخم وضغط على الدولار، ثم فجوة بين السعرين، ثم مضاربة وطلب إضافي على العملة الأجنبية.

لذلك لا يمكن أن تكون المعالجة نقدية فقط، كما لا يجوز انتظار إصلاح المالية العامة بالكامل قبل معالجة التشوهات النقدية.

المطلوب مساران متزامنان: ضبط الإنفاق العام ووقف التمويل بالعجز، وبالتوازي إصلاح سعر الصرف وآلية بيع النقد الأجنبي، وتوحيد قنوات الوصول إليه بشفافية، بحيث تنكمش الفجوة السعرية ويختفي تدريجياً ريع المضاربة.

قد نختلف حول السعر المناسب أو توقيت وآلية الانتقال إليه، وهذه مسائل قابلة للنقاش والقياس.

لكن ما لا ينبغي فعله هو تأجيل القرار بحجة انتظار الظروف المثالية.

لأن عدم اتخاذ القرار الاقتصادي ليس حياداً، بل قرار له تكلفة يدفعها المواطن يومياً من قيمة الدينار وقوته الشرائية، ويدفعها الاقتصاد من احتياطياته وفرص الاستثمار والنمو.

السياسة تستطيع تأجيل القرار… لكن الاقتصاد لا يؤجل الفاتورة.

مشاركة الخبر