كتب مؤسس سوق المال الليبي و استاذ التمويل”سليمان الشحومي” منشوراً قال فيه: مصرف ليبيا المركزي و وزارة الاقتصاد تنسيق ام اشتباك قادم ؟
هل يحاول المركزي عبر التنسيق مع وزارة الاقتصاد الي كبح جماح التضخم ام الي كبح جماح انفلات سعر الصرف ؟
بنهاية هذا الشهر يبدأ العمل بقرار وزارة الاقتصاد والتجارة رقم (449) لسنة 2026، الذي يمنع دخول البضائع التجارية إلى ليبيا خارج القنوات المصرفية، ويمنع الإفراج الجمركي عن أي شحنة قبل استكمال إجراءاتها المصرفية والجمركية وتقديم ما يثبت قيمتها الحقيقية. وقد ترك القرار استثناء لأصحاب الأنشطة الفردية في حدود سقف سنوي، ونص على ترتيبات للشحنات التي بدأت إجراءاتها قبل هذا التاريخ.
الفكرة في أصلها سليمة. إدخال التجارة في النظام المصرفي يجعل حركة الأموال مرئية، ويساعد على مكافحة غسل الأموال، ويكشف للمصرف المركزي حجم الطلب الحقيقي على الدولار. لا خلاف على الهدف. الخلاف على الترتيب، وعلى ما إذا كانت القناة الرسمية جاهزة لاستقبال ما سيُدفع إليها بعد أسابيع قليلة.
ولنبدأ من حيث يهم المواطن. حين يرتفع سعر سلعة في المحل، فإننا نفترض دائماً أن السبب هو ارتفاع الدولار. وهذا صحيح جزئياً فقط. فالسلعة تصل للمستهلك و تمر بسلسلة طويلة تبدأ بالتمويل وفتح الاعتماد، ثم الشراء والشحن والتأمين، ثم الميناء والجمارك والتخليص والتخزين والنقل، وأخيراً الجملة والتجزئة. وكل تأخير في أي حلقة من هذه الحلقات يتحول إلى تكلفة، وكل تكلفة تصل في النهاية إلى المستهلك. فالمواطن لا يدفع ثمن السلعة فقط، وإنما يدفع أيضاً ثمن الطريق الذي سلكته حتى وصلت إليه.
ما تقوله الأرقام:
الأرقام المعلنة عن النصف الأول من هذا العام تكشف صورة مختلفة عما هو شائع. الاعتمادات المستندية بلغت 8.3 مليار دولار، أي أكثر من نصف استخدامات النقد الأجنبي. وهذا يعني أن التجارة موجودة أصلاً داخل النظام المصرفي، وأن الاستيراد لا يجري كله خارجه كما يُقال. أما الجزء الذي يستهدفه القرار الجديد فلا يوجد رقم معلن لحجمه، ومن الصعب أن نستعد لاستقبال شيء لا نعرف مقداره.
وفي الأرقام نفسها إشارة أخرى تستحق التأمل. مبيعات النقد الأجنبي للأغراض الشخصية انخفضت بأكثر من النصف، بينما ارتفعت الحوالات إلى 2.2 مليار دولار بعد أن كانت أقل من ثلاثمئة مليون في العام الماضي. الطلب على الدولار لم ينخفض إذن، وإنما انتقل من باب إلى باب. وهذا بالضبط ما ينبغي توقعه بعد سريان تنفيذ قرار وزارة الاقتصاد : جزء من التجارة سيدخل إلى الاعتمادات، وجزء سيتوقف مؤقتاً، وجزء سيبحث عن طريق آخر أعلى تكلفة. والفارق في التكلفة لن يدفعه التاجر من جيبه، بل سيضيفه إلى السعر.
وهناك رقم ثالث يلخص المشكلة كلها. بطاقات التجار، وهي الأداة التي يُفترض أن تخدم صغار المستوردين، لم تتجاوز 38.9 مليون دولار، أي اثنين من كل ألف دولار. الأداة المخصصة للصغار شبه متوقفة، في اللحظة نفسها التي يُطلب فيها من الصغار أن يتحولوا إلى المصارف. والاستثناء الوارد في القرار يعطيهم الحق في التوريد، لكنه لا يعطيهم الدولار ولا الأداة المصرفية التي يمر بها التوريد.
أصل الفجوة ليس في الاستيراد:
السعر الرسمي اليوم في حدود 6.34 دينار للدولار، والسوق الموازية عند تسعة دنانير وربع تقريباً. وقبل الحديث عن الفجوة، من الإنصاف القول إن المقارنة الصحيحة ليست مع السعر المعلن، وإنما مع السعر الذي يدفعه المستورد فعلاً بعد إضافة الرسم المفروض على مبيعات النقد الأجنبي. الفجوة الحقيقية أضيق مما يُتداول، لكنها تبقى كبيرة، والرسم نفسه يدخل في تكلفة السلعة ويصل إلى المستهلك في النهاية.
أما السبب الذي أوجد هذه الفجوة فليس تجارياً أصلاً. المصرف المركزي نفسه أرجع تخفيض قيمة الدينار مرتين خلال أقل من عام إلى الإنفاق العام من حكومتين، وغياب موازنة موحدة، وتراجع إيرادات النفط. أي أن الخلل جاء من جانب الإنفاق لا من جانب الاستيراد. ولذلك فإن تقييد التجارة قد يقلل الطلب المسجل على الدولار، لكنه لا يمس السبب الذي ولّد الفجوة. ومن يعالج العرض دون السبب يجد نفسه بعد أشهر أمام المشكلة نفسها بثوب جديد.
منع محدد بتاريخ وتسهيل بلا تاريخ:
المصرف المركزي ووزارة الاقتصاد يقولان إنهما ينسقان، وهذا صحيح في الظاهر. فالمصرف هو من طلب هذا القرار، واعلن انه سيسرع تنفيذ الطلبات علي النقد الاجنبي في استجابة لقرار الاقتصاد.
لكن بين الالتزامين فرقاً جوهرياً. المنع صدر في شكل قرار ملزم، بتاريخ محدد، وبعقوبة واضحة هي وقف الإفراج الجمركي. أما التسهيل فصدر في شكل اتفاق عام، و وعد بلا تاريخ، وبلا رقم، وبلا مدة قصوى لإنهاء طلب الاعتماد. وحين يكون المنع محدداً والتسهيل غير محدد، فمن الطبيعي أن ينفذ الأول في موعده وأن يتأخر الثاني. وهنا تحديداً يتحول التنظيم إلى اختناق جديد.
ويبقى سؤال جاهزية المصارف. البنية التقنية للدفع تعمل وتتوسع، وهذا ليس محل شك. لكن تنفيذ التجارة الخارجية يتركز في عدد قليل من المصارف، ومصرف واحد استحوذ على نحو 2.6 مليار دولار من الاستخدامات في نصف عام. وإضافة آلاف التجار الصغار إلى المصارف نفسها تعني طوابير أطول لا خدمة أوسع. كما أن الأداة الوحيدة المتاحة عملياً هي الاعتماد المستندي، وهو مصمم للصفقات الكبيرة ويحتاج ضمانات لا يملكها صغار التجار. ولا يوجد تمويل قصير الأجل يغطي الفترة بين الدفع والوصول والبيع، ولا سجل ائتماني يسمح بالحكم على التاجر من أدائه بدل ضماناته. يضاف إلى ذلك أن جزءاً من زمن تنفيذ الاعتماد يقع خارج ليبيا، عند المصارف المراسلة ومتطلبات الامتثال، وهو زمن لا يمكن التحكم فيه.
ما الذي ينبغي عمله :
المطلوب ليس إلغاء القرار، وإنما إسناده بما يجعله قابلاً للتطبيق دون أن يدفع المواطن ثمنه. أولاً، تقدير معلن لحجم التوريد الذي يجري اليوم خارج المصارف، لأن الاستعداد يحتاج رقماً لا انطباعاً. ثانياً، فتح باب التسجيل للمستوردين قبل التطبيق، وقياس كم طلباً نُفذ وكم استغرق، وربط موعد السريان بنتيجة هذا الاختبار لا بتاريخ في التقويم. ثالثاً، تشغيل أداة حقيقية لصغار التجار، بسقف واقعي ومنتج مصرفي يعمل فعلاً، وإلا بقي الاستثناء نصاً بلا أثر. رابعاً، إعلان مدة قصوى للبت في طلبات الاعتماد و الحوالات ونشر متوسط الزمن الفعلي شهرياً، فالتاجر يتحمل الإجراء البطيء إذا عرف مدته، ولا يتحمل الإجراء المجهول لأنه يضيف المجهول إلى السعر. خامساً، معالجة معلنة للشحنات المتعاقد عليها والمشحونة فعلاً، لأن غرامات التأخير في الموانئ وتكاليف التخزين ستدفع كلها في النهاية من سعر السلعة.
وفي المدى الأبعد، على المصرف المركزي أن يعالج مصدر الفجوة لا مظهرها، وأن يعلن برنامجاً دورياً بأرقام لبيع الدولار للاعتمادات و الحوالات وأن يوسع عدد المصارف القادرة على تنفيذ عمليات التجارة الخارجية، وأن ينشر بيانات شهرية عن الطلبات المقدمة والمنفذة والمرفوضة. وعلى وزارة الاقتصاد أن تختصر الإجراءات في نافذة واحدة بمدد معلنة، وأن تقيس زمن الإفراج في الموانئ وتكلفته وتنشرهما، وأن تنتقل من ملاحقة السعر النهائي إلى معرفة أين ارتفعت التكلفة على طول السلسلة. وأن تسأل عن كل لائحة جديدة سؤالاً واحداً: كم تاجراً ستخرج من السوق؟ لأن كثرة المستوردين ليست مسألة أسعار فقط، وإنما مسألة أمن إمداد. فإذا اعتمد السوق على عدد قليل من الشركات، انتقل تعثر واحدة منها إلى السوق كله في أيام.
كيف نحكم بعد التطبيق:
سيقال بعد شهرين إن نسبة الالتزام بالقرار مرتفعة، وسيُعرض ذلك على أنه نجاح. لكن معيار النجاح ليس هذا. المعايير ثلاثة: هل ضاقت الفجوة بين السعر الرسمي الفعلي وسعر السوق الموازية؟ وهل قصرت المدة بين تقديم طلب الاعتماد وخروج الشحنة من الميناء؟ وهل استقر سعر سلة السلع الأساسية بالدينار مقارنة بسعرها في بلد المنشأ؟ إذا تحسنت الثلاثة معاً فالاحتكاك المسبب لزيادة التضخم ينخفض فعلاً. وإذا تحسن واحد فقط، فمعنى ذلك أن الاختناق لم يُعالج، وإنما انتقل من سوق الصرف إلى رفوف المحلات.
الهدف في النهاية ليس أن نمنع التاجر من الطريق الآخر، وإنما أن نجعل الطريق الرسمي أسرع وأرخص وأوسع حتى لا يحتاج أحد إلى سواه. والاختبار الحقيقي لهذا القرار لن يكون في عدد الشحنات التي أوقفها، وإنما في سعر السلعة بعد ثلاثة أشهر من تطبيقه.






