Skip to main content
الشلوي: البيانات الخمسة حملت رسالة واحدة.. منظومة الطاقة في ليبيا استعادت توازنها والدرس الأهم هو حماية المرافق السيادية
|

الشلوي: البيانات الخمسة حملت رسالة واحدة.. منظومة الطاقة في ليبيا استعادت توازنها والدرس الأهم هو حماية المرافق السيادية

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

تابعت باهتمام البيانات المتتالية الصادرة عن الشركة العامة للكهرباء، والمؤسسة الوطنية للنفط، وحكومة الوحدة الوطنية، والتي تناولت تطورات الأوضاع بمجمع مليتة، وأعتقد أنها شكلت نموذجًا مهمًا في نقل تطور الحدث للرأي العام بكل مراحله، منذ التحذير من الخطر، مرورًا بتوضيح أبعاده الفنية، ثم الإعلان عن التدخل وتأمين الموقع، وصولًا إلى استئناف التشغيل وعودة الإنتاج واستقرار الأوضاع.

واليوم، وبعد البيان الأخير الصادر عن المؤسسة الوطنية للنفط، والذي أكد استئناف إنتاج الغاز وعودة الضخ إلى وضعه الطبيعي، وعودة العمل بحقل الفيل وحقل الوفاء ومنصة صبراتة، واطمأن المواطنين إلى استقرار الأوضاع وعودة الإنتاج إلى مستوياته السابقة، يمكن القول إن الأزمة قد تم احتواؤها بفضل تكامل جهود الجهات المعنية، وهو أمر يدعو إلى الارتياح ويستحق التقدير.

لكن في المقابل، فإن ما حدث يستحق أن يُقرأ بعين فنية واقتصادية، لا باعتباره مجرد انقطاع مؤقت للغاز أو الكهرباء، وإنما باعتباره اختبارًا كشف مدى الترابط الوثيق بين مختلف مكونات منظومة الطاقة في ليبيا.

لقد أوضحت البيانات أن أي اضطراب في مجمع مليتة لا يقتصر أثره على محطات الكهرباء فحسب، بل يمتد إلى إنتاج الغاز، وإنتاج النفط، وتشغيل الحقول، وحركة خطوط الأنابيب، والعمليات الصناعية، والإيرادات العامة للدولة. وهذا يؤكد أن مجمع مليتة يمثل إحدى أهم العقد الاستراتيجية في قطاع الطاقة الليبي، وأن استقرار تشغيله ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين وعلى الاقتصاد الوطني.

ومن الناحية الفنية، فإن إيقاف وإعادة تشغيل منظومات الغاز والحقول النفطية ومحطات المعالجة لا يتم بمجرد فتح صمام أو إعادة التيار، بل يخضع لإجراءات دقيقة تشمل اختبارات السلامة، وإعادة موازنة الضغوط والتدفقات، والتأكد من جاهزية المعدات والمنشآت، حفاظًا على سلامة العاملين وضمان استدامة التشغيل. ومن هنا فإن عودة حقل الفيل، وحقل الوفاء، ومنصة صبراتة إلى الخدمة تمثل مؤشرًا مهمًا على نجاح فرق التشغيل في استعادة المنظومة بصورة آمنة ومنظمة.

أما من الناحية الاقتصادية، فإن أي توقف في مثل هذه المرافق، حتى وإن كان محدودًا زمنيًا، قد ينعكس على إنتاج النفط والغاز، والإيرادات العامة، وكفاءة تشغيل محطات الكهرباء، ويضيف تكاليف لإعادة التشغيل والصيانة، فضلاً عن تأثيره في ثقة الشركاء والمستثمرين في استقرار بيئة العمل بقطاع الطاقة الليبي.

ومن المهم أيضًا أن نؤكد أن حماية منشآت النفط والغاز والكهرباء ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، وإنما هي مسؤولية وطنية مشتركة، لأنها تمثل مصدر أكثر من 90% من دخل الدولة الليبية، وهي الركيزة الأساسية لتمويل الخدمات العامة، والمرتبات، والتنمية، والمحافظة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وأرى أن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى المواطن اليوم هي رسالة طمأنة؛ فالمؤشرات المعلنة تؤكد أن الغاز عاد إلى التدفق، ومحطات الكهرباء بدأت تستعيد أداءها، والإنتاج النفطي والغازي عاد إلى مساره الطبيعي، وأن جميع المراكز والشركات والمحطات التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط تعمل بصورة طبيعية، وهو ما يعكس قدرة الكوادر الوطنية على التعامل مع الأزمات واستعادة التشغيل في وقت وجيز.

وفي الوقت ذاته، فإن هذه الواقعة ينبغي أن تكون حافزًا لتعزيز الإجراءات الأمنية والتشغيلية الخاصة بحماية المرافق الاستراتيجية، ووضع آليات أكثر كفاءة لضمان عدم تكرار مثل هذه الأحداث مستقبلًا، لأن تكلفة تعطيل منظومة الطاقة لا تُقاس فقط بساعات انقطاع الكهرباء، وإنما بما يترتب عليها من آثار فنية، واقتصادية، وبيئية، واجتماعية، تمس الدولة والمواطن معًا.

وفي الختام، أتقدم بالشكر والتقدير إلى جميع العاملين في المؤسسة الوطنية للنفط، والشركة العامة للكهرباء، والجهات الأمنية والتنفيذية، وكل من أسهم في احتواء هذه الأزمة وإعادة تشغيل المنظومة، مع التأكيد على أن المصلحة الوطنية تظل دائمًا فوق كل اعتبار، وأن حماية منشآت النفط والغاز والكهرباء هي حماية لقوت الليبيين، وللاقتصاد الوطني، ولحقوق الأجيال القادمة.

مشاركة الخبر