Skip to main content
"الشلوي": الغاز الليبي بين أمن الطاقة والالتزامات التصديرية.. هل حان وقت مراجعة الفرضيات؟
|

“الشلوي”: الغاز الليبي بين أمن الطاقة والالتزامات التصديرية.. هل حان وقت مراجعة الفرضيات؟

كتب الخبير النفطي “منصف الشلوي” مقالاً، قال خلاله:

يثير الجدل الدائر حول أولوية الغاز الليبي بين التصدير وتلبية احتياجات السوق المحلية تساؤلات مشروعة، خصوصًا في ظل استمرار أزمة الكهرباء وتزايد الطلب المحلي على الغاز الطبيعي. إلا أن تناول هذه القضية من زاوية آنية قد يقود إلى استنتاجات غير مكتملة، بينما يقتضي التحليل الفني والاقتصادي النظر إليها في ضوء تطور أسواق الطاقة خلال العقود الماضية، وما تحمله العقود المقبلة من تحولات.

فعلى امتداد ما يزيد على أربعين عامًا، لم يتجه العالم إلى التخلي عن الوقود الأحفوري كما كان يُتوقع، بل أعاد تشكيل مزيج الطاقة بما يحقق التوازن بين أمن الإمدادات والكفاءة الاقتصادية والاعتبارات البيئية. ورغم النمو الكبير في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ما يزال الغاز الطبيعي يحتفظ بموقع محوري في توليد الكهرباء، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل أيضًا في العديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

وفي منطقتنا، شهدت دول عديدة تحولًا واضحًا من النفط إلى الغاز في تشغيل محطات الكهرباء، لما يتمتع به من كفاءة حرارية أعلى، وانخفاض في الانبعاثات مقارنة بالوقود السائل، وتكاليف تشغيل وصيانة أقل، خاصة مع انتشار محطات الدورة المركبة. ولم تكن ليبيا استثناءً من هذا المسار، إذ أصبح الغاز اليوم يمثل العمود الفقري لتوليد الكهرباء بعد أن كان النفط هو المصدر الرئيس قبل عقود.

ولا يقتصر الأمر على طبيعة مزيج الوقود، بل يمتد إلى حجم المورد نفسه. فليبيا تمتلك احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي تُقدَّر بنحو 53 تريليون قدم مكعب، لتأتي ضمن أكبر الدول الإفريقية والعربية من حيث الاحتياطيات. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الثروة لا تكمن في حجم الاحتياطي وحده، وإنما في سرعة تطويره وتحويله إلى إنتاج فعلي يدعم الاقتصاد الوطني، ويعزز أمن الطاقة، ويوفر قيمة مضافة للأجيال الحالية والقادمة.

وفي المقابل، تؤكد التجربة الأوروبية أن التحول الطاقوي لم يكن انتقالًا كاملًا من الوقود التقليدي إلى الطاقة المتجددة، وإنما إعادة توزيع للأدوار بين الغاز والطاقة النووية والطاقة الكهرومائية ومصادر الطاقة المتجددة. وحتى أكثر الاقتصادات تقدمًا ما زالت تعتمد على مزيج متنوع من مصادر الطاقة لضمان استقرار الشبكات الكهربائية، وهو ما يعكس أن أمن الطاقة لا يزال يتقدم على أي اعتبارات أخرى عند رسم السياسات الاستراتيجية.

ومن المتوقع أن يشهد سوق الغاز العالمي خلال السنوات المقبلة تغيرات مهمة مع دخول طاقات إنتاجية كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، تقودها الولايات المتحدة وقطر وكندا، إلى جانب توسعات في عدد من الدول الأخرى. وفي المقابل، سيواصل الطلب نموه في آسيا وإفريقيا، بما يجعل السوق أكثر تنافسية، ويزيد من أهمية المنتج القادر على توفير إمدادات مستقرة وموثوقة وبتكلفة تنافسية.

من هذا المنظور، فإن الغاز لم يعد مجرد سلعة للتصدير، بل أصبح موردًا استراتيجيًا يرتبط بأمن الطاقة والصناعة والتنافسية الاقتصادية وجذب الاستثمار واستقرار الخدمات الأساسية. ولذلك، فإن تقييم قيمته ينبغي ألا يقتصر على الإيرادات المباشرة المتأتية من التصدير، وإنما يجب أن يشمل أيضًا القيمة الاقتصادية التي يحققها داخل الاقتصاد الوطني من خلال إنتاج الكهرباء والصناعات البتروكيماوية وصناعة الأسمدة والحديد والصلب والإسمنت وغيرها من الأنشطة التي تعتمد عليه بوصفه مادة أولية ومصدرًا للطاقة.

أما في الحالة الليبية، فإن النقاش لا ينبغي أن يُختزل في خيار ثنائي بين التصدير أو الاستهلاك المحلي، لأن هذا الطرح يتجاهل طبيعة العقود الدولية والتزامات الدولة طويلة الأجل. فالعقود التصديرية ليست ترتيبات تجارية عابرة، بل التزامات قانونية واستثمارية تؤثر في سمعة الدولة، وفي قدرتها على استقطاب الاستثمارات اللازمة لتطوير القطاع.

ويُعد خط أنابيب غرين ستريم (Greenstream) نموذجًا واضحًا لهذا البعد الاستراتيجي. فمنذ دخوله الخدمة عام 2004، عبر خط بحري يبلغ طوله نحو 520 كيلومترًا يربط الساحل الليبي بجنوب إيطاليا، أصبح أحد أهم مشاريع الطاقة في البحر المتوسط، وعنصرًا مهمًا في أمن الطاقة الإقليمي. ومن ثم، فإن أي مراجعة لسياسات تصدير الغاز ينبغي أن تراعي الالتزامات التعاقدية والجوانب القانونية ومصداقية الدولة أمام شركائها، إلى جانب الاحتياجات المحلية.

وفي الوقت ذاته، فإن ارتفاع الطلب المحلي على الغاز، ولا سيما في قطاع الكهرباء، وتباطؤ نمو الإنتاج مقارنة بالنمو المتسارع للاستهلاك، يفرضان مراجعة مستمرة للفرضيات التي بُنيت عليها الخطط السابقة. ويزداد هذا التحدي مع الانخفاض الطبيعي لإنتاج بعض الحقول، وتأخر تطوير حقول جديدة بالوتيرة المطلوبة، وهو ما يستدعي تسريع الاستثمار في الاستكشاف والتطوير أكثر من الاقتصار على إعادة توزيع الكميات المتاحة.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن الحل الأكثر استدامة يتمثل في توسيع قاعدة إنتاج الغاز وتسريع تطوير الاكتشافات الجديدة واستغلال الغاز المصاحب وخفض حرق الغاز وتحسين كفاءة البنية التحتية، بالتوازي مع رفع كفاءة محطات الكهرباء وترشيد الاستهلاك. فكل قدم مكعب إضافي يُنتج يمنح صانع القرار مساحة أوسع لتحقيق التوازن بين متطلبات السوق المحلية والالتزامات التصديرية، ويعزز في الوقت نفسه القيمة الاقتصادية لهذا المورد الاستراتيجي.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في إدارة مواردها الطبيعية لم تعتمد على ردود الأفعال، بل على التخطيط طويل الأجل، وربطت سياسات الطاقة بالاقتصاد والاستثمار والأمن الوطني في إطار رؤية متكاملة. كما أثبتت أن زيادة الإنتاج هي الطريق الأكثر استدامة لمعالجة الاختلالات، وليس إعادة توزيع الندرة.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: هل نصدر الغاز أم نستهلكه محليًا؟ بل: كيف نرفع إنتاجه ونسرّع تطوير موارده ونحسن كفاءة استخدامه ونحقق أعلى قيمة اقتصادية منه، مع الحفاظ على مصداقية الدولة والتزاماتها الدولية؟

إن مستقبل السياسة الغازية الليبية لن يُحسم بقرار وقف التصدير أو الاستمرار فيه، وإنما بقدرة الدولة على توسيع قاعدة الإنتاج وتسريع الاستثمار في مواردها الغازية وتحويل هذا المورد إلى ركيزة لأمن الطاقة والتنمية الاقتصادية معًا. فالدول الناجحة لا تدير الندرة، بل تصنع الوفرة، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي ينبغي أن تتجه إليه السياسات الطاقوية الليبية خلال العقود القادمة.

مشاركة الخبر