كتب: خبير نفطي واقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً
منذ ساعات قليلة مضت ، أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية عن نتائج تعد من أبرز التطورات الاستكشافية في البحر المتوسط خلال الفترة الأخيرة، بعد نجاح أعمال حفر البئر البحرية (( فيلوكس-1X )) في رصد شواهد بترولية واعدة واستخراج عينة من الزيت الخام؛ورغم أن الإعلان لا يرقى حتى الآن إلى مستوى الاكتشاف التجاري، فإن أهميته الحقيقية تكمن في الرسائل الجيولوجية والاستثمارية التي يبعث بها،ليس إلى مصر وحدها، بل إلى جميع الدول المطلة على البحر المتوسط، وفي مقدمتها ليبيا.
قبل قراءة دلالات هذا التطور،من المهم الإشارة إلى مسألة جغرافية قد تبدو بسيطة، لكنها مهمة لفهم الموضوع، فالمنطقة التي تصفها مصر بأنها تقع في غرب البحر المتوسط هي كذلك من منظورها الجغرافي، بينما تقع من المنظور الليبي في الاتجاه المقابل لشرق وشمال شرق المجال البحري الليبي، ومن ثم ، فإن الحديث عن ( غرب المتوسط ) في الإعلان المصري لا يعني أنه بعيد عن المصالح الليبية، بل على العكس ، فهو يقع ضمن المشهد الجيولوجي الإقليمي الذي ينبغي لليبيا أن تتابعه بدقة واهتمام.
وفي الوقت ذاته، ينبغي عدم الخلط بين وجود شواهد بترولية وبين الاكتشاف التجاري، فما أعلنته مصر حتى الآن يؤكد وجود نظام بترولي فعّال ووجود زيت خام في البئر، لكنه لا يعني بعد ثبوت احتياطيات قابلة للإنتاج الاقتصادي، إذ ما زالت أعمال التقييم والاختبارات الفنية هي التي ستحدد القيمة التجارية للاكتشاف.
لماذا يستحق الخبر اهتمام ليبيا ؟
لأن صناعة الاستكشاف لا تُبنى على الأخبار ، وإنما على المعلومات، وكل بئر استكشافية ناجحة ، حتى وإن لم تتحول إلى حقل منتج، تضيف كم هائل من البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية التي تساعد على فهم الحوض الرسوبي وتحسين النماذج الجيولوجية وإعادة تفسير البيانات الزلزالية وتوجيه الاستثمارات المستقبلية.
من هذه الزاوية تحديداً ، فإن ما حدث في المياه المصرية يمثل مؤشر علمي مهم يستحق أن يقرأ بعناية داخل ليبيا ، لا باعتباره نجاح لدولة مجاورة فحسب وإنما باعتباره معلومة جديدة تخص أحد أهم أحواض البحر المتوسط ..
لكن من الضروري أيضاً التأكيد على حقيقة علمية لا تحتمل المبالغة، وهي أن تشابه الأحواض الرسوبية أو تقاربها لا يعني بالضرورة وجود احتياطيات مماثلة على جانبي الحدود البحرية، فالتركيب الجيولوجي وصخور المصدر والخزانات والأغطية ومسارات الهجرة والمصائد البترولية، قد تختلف من موقع إلى آخر حتى داخل الحوض نفسه.
لذلك فإن القراءة المهنية لا تقوم على إطلاق توقعات متفائلة أو متشائمة وإنما على الاستفادة من البيانات الجديدة لتطوير الفهم العلمي للمناطق البحرية الليبية.
الرسالة الأهم ليست جيولوجية فقط
ما يلفت الانتباه أيضاً هو استمرار تدفق الاستثمارات العالمية إلى البحر المتوسط. فالشركات الدولية لا تضخ استثمارات بمئات الملايين من الدولارات اعتماداً على التوقعات فقط وإنما تستند إلى بيانات متراكمة وإلى بيئة استثمارية مستقرة وعقود واضحة وسرعة في اتخاذ القرار.
هنا تكمن إحدى الرسائل المهمة بالنسبة لليبيا ؛ فالمنافسة في قطاع الاستكشاف لم تعد بين الدول من حيث الموارد الطبيعية فقط، بل أصبحت بين بيئات الاستثمار وبين من يستطيع توفير المعلومات والاستقرار والتمويل والقرارات السريعة والإطار القانوني الجاذب.
ماذا ينبغي أن تفعل ليبيا ؟
في تقديري، لا تحتاج ليبيا إلى ردود فعل إعلامية أو بيانات انفعالية، إنما إلى برنامج عمل وطني هادئ يستند إلى العلم والمصلحة الوطنية .. ويشمل :
1/ إعادة تقييم وتفسير البيانات الزلزالية البحرية باستخدام أحدث التقنيات ..
2/ توسيع أعمال المسح البحري ، خاصة في المناطق التي لم تحظ باستكشاف كاف ..
3/ إعداد خريطة وطنية تحدد أولويات الاستكشاف البحري خلال السنوات المقبلة ..
4/ متابعة جميع الاكتشافات ونتائج الحفر في شرق ووسط وغرب البحر المتوسط للاستفادة العلمية منها ..
5/ تعزيز جاهزية المؤسسة الوطنية للنفط لاستقطاب الاستثمارات البحرية النوعية عندما تنضج الظروف المناسبة ..
كما أن هذا التطور يعيد التأكيد على أهمية استمرار الاهتمام بالمساحات البحرية الليبية .. بما فيها المناطق التي سبق أن تناولنا أهميتها الاستراتيجية في مقالات سابقة .. باعتبارها تمثل رصيد سيادي واقتصادي للأجيال القادمة ، يستحق أن يدار بمنهج علمي بعيد عن المبالغات أو التقليل من أهميته ..
الخلاصة ..
إن ما أعلنت عنه مصر منذ ساعات ليس اكتشاف تجاري مؤكد .. لكنه بلا شك تطور استكشافي مهم يستحق المتابعة ..
أما بالنسبة لليبيا .. فإن الرسالة ليست أن النفط أصبح أقرب أو أبعد .. بل أن المعرفة الجيولوجية في البحر المتوسط تتطور باستمرار وأن الدول التي تواكب هذا التطور بالعلم والاستثمار والتخطيط هي التي ستكون الأقدر على تحويل إمكاناتها الطبيعية إلى ثروة حقيقية ..
لهذا .. فإن قراءة نتائج [ فيلوكس-1X ] يجب ألا تكون من منظور المنافسة مع مصر .. بل من منظور تعظيم الفرص الليبية والاستفادة من كل معلومة جديدة تدعم فهم أحواضنا البحرية وتعزز فرص الاستثمار وتحافظ على حقوق ليبيا السيادية .. بما يخدم أمنها الاقتصادي ومستقبل أجيالها ..
في النهاية .. فإن الثروات الطبيعية لا تصنع وحدها قصص النجاح ؛ بل تصنعها البيانات الدقيقة والرؤية الاستراتيجية والقرار الرشيد والاستثمار المستدام وهذه هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن تستخلصها ليبيا من هذا التطور الإقليمي ..





