Skip to main content
الشلوي: نقل تبعية الشركة العامة لنقل وتوزيع الغاز إلى المؤسسة الوطنية للنفط.. خطوة نحو توحيد إدارة سلسلة القيمة للغاز في ليبيا
|

الشلوي: نقل تبعية الشركة العامة لنقل وتوزيع الغاز إلى المؤسسة الوطنية للنفط.. خطوة نحو توحيد إدارة سلسلة القيمة للغاز في ليبيا

كتب: خبير نفطي واقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

يمثل استكمال إجراءات نقل تبعية الشركة العامة لنقل وتوزيع الغاز إلى المؤسسة الوطنية للنفط، تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء رقم (268) لسنة 2026، خطوة مؤسسية ذات أبعاد استراتيجية، تتجاوز إعادة تنظيم الاختصاصات الإدارية، لتؤسس لنهج أكثر تكاملًا في إدارة منظومة الغاز الليبية.

فالغاز الطبيعي لم يعد مجرد مورد هيدروكربوني، بل أصبح اليوم محورًا رئيسيًا لأمن الطاقة، والعنصر الأكثر تأثيرًا في مستقبل قطاع الكهرباء، والصناعة، والتنافسية الاقتصادية، كما يشكل أحد أهم مصادر النمو خلال العقود المقبلة في ظل التحولات العالمية في أسواق الطاقة.

ومن هذا المنطلق، فإن توحيد مسؤولية إدارة حلقات سلسلة القيمة للغاز تحت مظلة المؤسسة الوطنية للنفط ينسجم مع أفضل الممارسات المؤسسية، ويتيح الانتقال من إدارة مجزأة للقطاع إلى إدارة متكاملة، تربط بين الاستكشاف والإنتاج والمعالجة والنقل والتوزيع ضمن رؤية واحدة وأولويات موحدة.

فنيًا، سيعزز هذا القرار كفاءة التخطيط لتطوير شبكة نقل الغاز، وربط الاكتشافات الجديدة بالبنية التحتية القائمة، وتحسين الاعتمادية التشغيلية، ورفع جاهزية الشبكات، وتوحيد معايير الصيانة والتشغيل، وهو ما يقلل الاختناقات التشغيلية ويرفع كفاءة الاستفادة من الإنتاج.

اقتصاديًا، فإن التكامل بين الإنتاج والنقل يسهم في تعظيم القيمة المضافة للغاز، ويخفض تكلفة إمداد محطات الكهرباء بالوقود، ويحد من الاعتماد على الوقود السائل الأعلى تكلفة، ويقلل من النفقات التشغيلية، ويدعم تنافسية الصناعات التي تعتمد على الغاز، بما ينعكس إيجابًا على المالية العامة والاقتصاد الوطني.

إداريًا، فإن القرار يعزز الحوكمة المؤسسية، ويوحد المرجعية الفنية، ويحد من تداخل الاختصاصات، ويرفع كفاءة اتخاذ القرار، ويُحسن إدارة الأصول، ويعزز قدرة المؤسسة الوطنية للنفط على إعداد خطط استثمارية متكاملة، ترتبط بالأولويات الوطنية وليس بالحلول المرحلية.

أما استراتيجيًا، فإن هذه الخطوة تمنح ليبيا فرصة لإعادة صياغة سياستها الغازية بصورة أكثر تكاملًا، بحيث لا يُنظر إلى الغاز باعتباره وقودًا لتوليد الكهرباء أو سلعة للتصدير فحسب، بل موردًا اقتصاديًا متعدد الاستخدامات، يمكن أن يشكل قاعدة للتوسع في الصناعات البتروكيميائية، والأسمدة، والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما يرفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

كما أن توحيد إدارة المنظومة يساهم في تحسين التخطيط لمشروعات الحد من حرق الغاز واستثماره، وربطها بخطط التوسع في الإنتاج، وهو ما يحقق في الوقت نفسه أهدافًا اقتصادية وبيئية، ويعزز مكانة ليبيا في برامج خفض الانبعاثات والاستفادة المثلى من مواردها الغازية.

وقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في تطوير قطاع الغاز لم تعتمد على زيادة الإنتاج وحدها، بل على التكامل بين جميع حلقات سلسلة القيمة، وتوحيد الرؤية المؤسسية، ووضوح المسؤوليات، وهو ما مكنها من رفع الكفاءة التشغيلية وتعظيم العائد الاقتصادي وتحقيق أمن الإمدادات.

وفي تقديري، فإن نجاح هذا القرار لن يقاس بانتقال التبعية الإدارية للشركة، وإنما بقدرته على إحداث تحول حقيقي في إدارة قطاع الغاز، من خلال تطوير البنية التحتية، وتسريع تنفيذ المشاريع، واعتماد التقنيات الحديثة، وبناء منظومة رقمية متكاملة لإدارة وتشغيل شبكات النقل والتوزيع.

وأرى أن الوقت قد حان لأن تتبنى ليبيا استراتيجية وطنية للغاز حتى عام 2050، تجعل من الغاز ركيزة لأمن الطاقة، ومحركًا للتنويع الاقتصادي، وأداة لتعزيز القيمة المضافة، وليس مجرد مورد للتصدير أو وقود لتشغيل محطات الكهرباء.

وأختم بالقول إن النفط سيظل العمود الفقري للاقتصاد الليبي لسنوات طويلة، إلا أن الغاز الطبيعي سيكون مفتاح المرحلة المقبلة. ولذلك فإن كل خطوة تعزز كفاءة إدارته واستثماره هي استثمار مباشر في مستقبل الاقتصاد الليبي، وأمنه الطاقوي، وقدرته على مواكبة التحولات العالمية في قطاع الطاقة.

مشاركة الخبر