Skip to main content
“الهادي عبدالقادر” يكتب: ليبيا بين أزمة النموذج الاقتصادي وضرورة النظام الهجين للتسوية المالية
|

“الهادي عبدالقادر” يكتب: ليبيا بين أزمة النموذج الاقتصادي وضرورة النظام الهجين للتسوية المالية

كتب الخبير المالي والمصرفي “الهادي عبدالقادر”: ليبيا بين أزمة النموذج الاقتصادي وضرورة النظام الهجين للتسوية المالية

قراءة شاملة معززة في استقالة المحافظ ومستقبل السياسة النقدية في ظل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي

المقدمة: بين احتفاء طرابلس وفراغ القرار

في الوقت الذي كانت طرابلس تحتفي بكونها عاصمة الثقافة، وتستعد بنغازي لاستلام راية عاصمة الثقافة العربية في 16 سبتمبر، كان المشهد المالي الوطني يشهد زلزالاً مؤسسياً تمثل في استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، السيد ناجي محمد عيسى، في 9 أغسطس 2026.

هذه الاستقالة، التي جاءت دون تفصيل للأسباب في نصها الرسمي، لم تكن وليدة اللحظة، بل هي تتويج لصراع هيكلي عميق بين السياسة المالية (الإنفاق العام والدعم) والسياسة النقدية (سعر الصرف والاحتياطيات). وباعتباري خبيراً في أنظمة المدفوعات الدولية والتسوية المصرفية، وأحد المفوضين من قبل مصرف ليبيا المركزي، أرى أن هذه الاستقالة ليست مجرد تغيير إداري، بل هي إنذار مبكر بوصول نموذج إدارة الاقتصاد الليبي إلى حائط مسدود، وحافزٌ لطرح حلول جذرية تقوم على التكامل التكنولوجي والإصلاح المؤسسي الذي لا يقبل التأجيل.

“الفقر ليس مجرد نقص في المال؛ بل هو الحرمان من القدرة على تحقيق كامل إمكانات الفرد كإنسان.”

— أمارتيا سين، حائز جائزة نوبل في الاقتصاد 1998

انطلاقاً من هذه المقولة، واستلهاماً للرؤى التطبيقية التي طرحها العالمان أبهيجيت بانيرجي وإستير دوفلو في كتابهما الفذ “اقتصاد الفقراء”، يأتي هذا المقال ليعزز الأسس الفكرية والسياسية للنظام الهجين المقترح بين CHIPS و CIPS، وليؤطر قرارات مصرف ليبيا المركزي في سياق السلوك البشري الحقيقي، لا السياقات النظرية المجردة.

أولاً: قراءة الأزمة – لماذا استقال المحافظ؟

لا يمكن فصل استقالة السيد ناجي عيسى عن المعادلة الاقتصادية المستحيلة التي واجهها، والتي يمكن تلخيصها في ثلاث حلقات مترابطة:

1. حلقة الإنفاق والدولار

تستورد ليبيا معظم احتياجاتها، والدولة تحصل على إيراداتها بالدولار (النفط) وتنفق بالدينار. اتفاق الإنفاق الموحد لأبريل 2026 (190 مليار دينار) وضع المصرف المركزي في موقف المموّل الأوحد، بينما كانت الاحتياطيات تتآكل لتمويل فاتورة استيراد المحروقات المدعومة والتي يتسرب جزء كبير منها عبر التهريب.

2. حلقة الدعم والريع

دعم المحروقات لم يعد مجرد سياسة اجتماعية، بل تحول إلى ثقب أسود يمتص الدولار. الدولة تبيع النفط دولاراً، ثم تعيد شراء الوقود بالدولار لبيعه محلياً بأسعار متدنية، مما يخلق فجوة سعرية هائلة تغذي السوق الموازية وتهدر الاحتياطي.

3. حلقة سعر الصرف

عندما لا يتم إصلاح المالية العامة، ينتقل الضغط إلى سعر الصرف. الدفاع عن سعر صرف إداري منخفض يستنزف الاحتياطيات، والسماح بتعديله يتحمل تبعاته المواطن عبر التضخم. المحافظ وجد نفسه بين مطرقة السياسة المالية وسندان الاحتياطي.

لهذا، كانت استقالته منطقية في مضاهاها، ومُحِقَّة في توقيتها، فهي تعكس وعياً بأن الاستمرار في منصبه قد يجعله شاهداً على كارثة محققة، وخطوة شجاعة تليق برجل بصير يقرأ الأرقام بعين الخبير.

ثانياً: النظام الهجين بين CHIPS و CIPS كآلية للتصحيح

في خضم هذه الأزمة الهيكلية، يأتي دور الحلول التقنية المتقدمة التي طالما دعت إليها مؤسسات التمويل الدولية. النظام الهجين الذي أقترحه يربط بين نظام CHIPS (تسوية الدولار) و CIPS (تسوية اليوان) عبر طبقة وسيطة ذكية، ويمثل أداة فعالة لمواجهة تحديات السيولة والامتثال والعقوبات.

1. إدارة فجوات السلاسل الزمنية (Time Gaps)

يعمل CIPS على مدار 24 ساعة، بينما يعمل CHIPS بنافذة زمنية محدودة (9 صباحاً – 6 مساءً بتوقيت نيويورك). النظام الهجين، عبر محرك التوجيه الذكي (Smart Routing Engine)، يعيد توزيع المعاملات تلقائياً لتجنب فجوات التوقف، مما يضمن التدفق الآمن للسيولة ويقلل الاعتماد على السوق الموازية في سد احتياجات المستوردين العاجلة.

2. الامتثال للعقوبات ومكافحة غسل الأموال (AML/CFT)

يعمل النظام الهجين كجدار حماية رقمي، حيث يقوم بفحص تلقائي للمعاملات ضد قوائم العقوبات الدولية (OFAC، الأمم المتحدة) بالتزامن مع متطلبات وحدة المعلومات المالية الليبية (Libyan FIU) ومنظومة goAML.

وهذا يضمن أن التحويلات المالية، سواء عبر CHIPS أو CIPS، لا تشكل انتهاكاً لقرارات مجلس الأمن (2769/2025 و 2819/2026)، ويعزز الشفافية في الحسابات المتداخلة المكشوفة.

3. دعم التوجه نحو Zero Cash والشمول المالي

مع وصول قيمة المعاملات الإلكترونية إلى 643 مليار دينار في 7 أشهر، أثبت التحول الرقمي فعاليته. النظام الهجين يُكمّل هذه الرحلة بتوفير تسوية لحظية (Real-Time Settlement) للمستحقات الإلكترونية، مما يخرج المؤسسات من دائرة الهشاشة (Brittle) والقلق (Anxious) في بيئة BANI، ويحوّلها إلى نظام مرن قادر على الصمود في وجه تقلبات VUCA.

ثالثاً: الذكاء الاصطناعي المسؤول كركيزة للتحول المالي

في ظل التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، يصبح تبني مبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول (Responsible AI) ضرورة ملحة لضمان استدامة التحول الرقمي في القطاع المالي الليبي. تشير التقارير الدولية، مثل تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي “Advancing Responsible AI Innovation: A Playbook” (2025)، إلى أن أقل من 1% من المؤسسات حول العالم قامت بتطبيق ممارسات الذكاء الاصطناعي المسؤول بشكل كامل واستباقي.

1. استراتيجية الذكاء الاصطناعي المسؤول

يجب على مصرف ليبيا المركزي والمؤسسات المالية الليبية اعتماد استراتيجية واضحة للذكاء الاصطناعي المسؤول تشمل:

· الحوكمة والمساءلة: تعيين قادة للذكاء الاصطناعي مع صلاحيات واضحة.

· إدارة المخاطر المنهجية: تبني أطر مثل NIST AI RMF وتكييفها مع السياق الليبي.

· الشفافية: الإبلاغ المنتظم عن ممارسات الذكاء الاصطناعي المسؤول.

2. حوكمة البيانات الموثوقة

يتطلب الابتكار في الذكاء الاصطناعي بيانات آمنة وعالية الجودة. يجب على المؤسسات المالية الليبية:

· تطبيق استراتيجية موحدة لحوكمة البيانات على مستوى المؤسسة.

· استكشاف نماذج مشاركة البيانات مثل صناديق البيانات (Data Trusts).

· ضمان الامتثال لمعايير حماية البيانات (مثل اللائحة التنظيمية لحماية البيانات في القطاع المصرفي الليبي).

3. الابتكار المسؤول كخيار افتراضي

يجب أن يكون التصميم المسؤول للذكاء الاصطناعي هو الخيار الافتراضي في تطوير المنتجات والخدمات المالية، مع التركيز على:

· التصميم الشامل: مراعاة احتياجات جميع فئات المجتمع، بما في ذلك ذوي الإعاقة والفئات المهمشة.

· المرونة: تصميم أنظمة قادرة على الصمود في وجه الصدمات والأزمات.

· الإفصاح عن التأثيرات البيئية: قياس وتقليل البصمة الكربونية لأنظمة الذكاء الاصطناعي.

رابعاً: العدالة والشمولية في القياس – ما وراء الناتج المحلي الإجمالي

في سياق إعادة تعريف التقدم والازدهار، يُعد تقرير فريق الخبراء الرفيع المستوى حول “ما وراء الناتج المحلي الإجمالي” (Counting What Counts: A Compass of Progress for People and Planet، 2026) مرجعاً محورياً. يوصي التقرير بالانتقال من قياس الناتج الاقتصادي فقط إلى قياس الرفاهية العادلة والشاملة والمستدامة.

1. إطار مفاهيمي متكامل

يقترح التقرير إطاراً يتكون من أربعة مكونات رئيسية:

· المبادئ الأساسية: السلام، حقوق الإنسان، واحترام الكوكب.

· الرفاهية الحالية: الظروف المادية، الصحة، التعليم، الأمن، التماسك الاجتماعي، جودة المؤسسات، والجودة البيئية.

· العدالة والشمولية: قياس التفاوتات والفقر عبر المجموعات السكانية.

· الاستدامة والمرونة: قياس رأس المال المنتج، البشري، الاجتماعي، المؤسسي، والطبيعي.

2. تطبيق الإطار في السياق الليبي

يمكن للمؤشرات المقترحة في التقرير أن توفر رؤية أكثر شمولية للتقدم في ليبيا، تتجاوز مجرد نمو الناتج المحلي الإجمالي. على سبيل المثال:

· مؤشرات الصحة والأمن: لتقييم تأثير الأزمات على جودة الحياة.

· مؤشرات التماسك الاجتماعي: لقياس مدى الثقة في المؤسسات والتماسك المجتمعي.

· مؤشرات الاستدامة: لتقييم مدى استنزاف الموارد الطبيعية أو استدامتها.

3. الآثار على السياسة النقدية والمالية

سيساعد تبني هذا الإطار في:

· توجيه الإنفاق العام نحو القطاعات الأكثر تأثيراً على رفاهية المواطنين.

· تحسين تخصيص الموارد بناءً على احتياجات الفئات الأكثر ضعفاً.

· تعزيز المساءلة من خلال قياس التقدم بشكل متعدد الأبعاد.

خامساً: الإدارة في عصر المخاطر المتزايدة

في رسالة جيمي ديمون، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ JPMorganChase، إلى المساهمين (أبريل 2026)، يقدم رؤية عميقة حول إدارة الشركات في عصر المخاطر المتزايدة، وهي رؤية تحمل دروساً قيمة للمؤسسات المالية في ليبيا.

1. إدارة المخاطر الشاملة

تتعامل JPMorganChase مع المخاطر من خلال نهج “عبر الدورة” (Through the Cycle)، حيث تدرس سيناريوهات متعددة، بما في ذلك أسوأ السيناريوهات (ركود حاد، انخفاض أسواق الأسهم بنسبة 40%، مضاعفة خسائر الائتمان). حتى في أسوأ الحالات، يظل العائد على حقوق الملكية الملموسة حوالي 10%. هذا النهج يعكس أهمية التخطيط للطوارئ واختبارات التحمل التي ينبغي على مصرف ليبيا المركزي والمصارف التجارية تبنيها.

2. الاستعداد للصدمات

يؤكد ديمون على أن السلامة والمرونة في مواجهة المخاطر الجيوسياسية (الحروب في أوكرانيا وإيران)، وأسعار الطاقة، والعلاقات التجارية، والاستقطاب السياسي، والعجز العالمي الكبير، وأسعار الأصول المرتفعة، تتطلب يقظة مستمرة واستعداداً لكل الاحتمالات، بدلاً من الاعتماد على التفاؤل أو التوقعات الخطية. هذا الدرس بالغ الأهمية لاقتصاد يعتمد بشكل كبير على النفط ويتعرض لتقلبات جيوسياسية واقتصادية متكررة.

3. المخاطر السيبرانية

يصنف ديمون المخاطر السيبرانية كواحدة من أكبر المخاطر التي تواجه الشركات الكبرى. في ليبيا، مع التوسع في المدفوعات الإلكترونية والتحول الرقمي، يجب أن تكون حماية البنية التحتية المالية من الهجمات السيبرانية أولوية قصوى، مع الاستثمار في أنظمة الدفاع الرقمي والتوعية المستمرة.

سادساً: تعزيز الأمن والمرونة في القطاع المالي الليبي

استلهاماً من مبادرة الأمن والمرونة (Security and Resiliency Initiative) التي أطلقتها JPMorganChase (استثمار 1.5 تريليون دولار على 10 سنوات في الصناعات الحيوية للأمن القومي)، يمكن تطبيق مفهوم مماثل في السياق الليبي:

1. الأمن المالي كجزء من الأمن الوطني

يجب أن تركز الاستثمارات في البنية التحتية المالية على:

· تعزيز أنظمة الدفع الوطنية (LYPay، OnePay، والنظام الهجين مع CHIPS و CIPS) لضمان استمرارية الخدمات المالية في جميع الظروف.

· تأمين سلاسل التوريد المالية من خلال تنويع مصادر التمويل والشراكات الدولية.

· بناء القدرات الوطنية في مجال التكنولوجيا المالية والأمن السيبراني.

2. التعاون بين القطاعين العام والخاص

كما أظهرت تجربة ديترويت التي استشهد بها ديمون، فإن التعاون بين القطاعين العام والخاص يمكن أن يحقق نتائج استثنائية في معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية. في ليبيا، يمكن لهذا التعاون أن يركز على:

· تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة لخلق فرص العمل.

· تطوير المهارات الرقمية للشباب لمواكبة متطلبات سوق العمل.

· تحسين البنية التحتية للاتصالات والطاقة لدعم التحول الرقمي.

3. تعزيز المرونة المؤسسية

يجب أن تتبنى المؤسسات المالية الليبية نهجاً استباقياً في إدارة المخاطر، يشمل:

· تحديث أنظمة الحوكمة الداخلية لتواكب أفضل الممارسات الدولية.

· بناء فرق عمل متخصصة في إدارة الأزمات والطوارئ.

· إجراء تدريبات وتمارين دورية لاختبار جاهزية الأنظمة والكوادر.

سابعاً: إحياء الحلم الليبي – دروس من مبادرة الحلم الأميركي

تستند مبادرة الحلم الأميركي (American Dream Initiative) التي أطلقتها JPMorganChase إلى الإيمان بأن إتاحة الفرصة للجميع هو أساس قوة الأمة. تتضمن المبادرة ستة مجالات تركيز يمكن تكييفها في السياق الليبي:

1. نمو الأعمال وريادة الأعمال

· توسيع الوصول إلى رأس المال للشركات الصغيرة والمتوسطة.

· تقديم المشورة والتدريب لأصحاب المشاريع.

· تسهيل وصول الشركات الصغيرة إلى سلاسل التوريد والعقود الحكومية.

2. الإسكان الميسر

· زيادة المعروض من المساكن من خلال تسهيل الإجراءات وتوفير التمويل.

· دعم برامج التملك للمواطنين محدودي الدخل.

3. الصحة المالية وبناء الثروة

· توسيع الوصول إلى الخدمات المصرفية والمنتجات المالية الرقمية.

· تعزيز التثقيف المالي للوصول إلى ملايين العملاء والطلاب والشركات الصغيرة.

· تقديم أدوات مالية رقمية تساعد الأفراد على إدارة ميزانياتهم وبناء مدخراتهم.

4. المهارات والوظائف

· ربط برامج التدريب باحتياجات سوق العمل الفعلية.

· توسيع برامج التدريب المهني في المجالات التقنية والصناعية.

· دعم برامج إعادة التأهيل للعاطلين عن العمل.

5. الرعاية الصحية

· دعم مبادرات تحسين الوصول إلى الخدمات الصحية.

· تعزيز الشفافية في تكاليف الرعاية الصحية.

6. المؤسسات المحلية

· توفير التمويل والدعم للمدارس والمستشفيات والمنظمات غير الربحية.

· دعم الحكومات المحلية في تنفيذ مشاريع تنموية.

ثامناً: معالجة الاختلالات – من يتحمل كلفة التصحيح؟

استقالة المحافظ طرحت السؤال الأهم: من يتحمل كلفة تصحيح الاقتصاد؟ الخزانة أم الاحتياطي أم الدينار؟

الإجابة، في تقديري، لا يمكن أن تكون أحادية الجانب، بل يجب أن تكون حزمة متكاملة قائمة على:

1. إصلاح تدريجي لدعم المحروقات، بحيث لا يتحمل المواطن الفقير الكلفة وحدها، بل يتم توجيه الدعم عبر منصات رقمية شفافة، تماماً كما تتم إدارة المدفوعات الإلكترونية عبر LYPay.

2. تفعيل دور النظام الهجين في تقنين الطلب على النقد الأجنبي، عبر جعل الحصول على الدولار مرتبطاً بمعاملات تجارية حقيقية ومصدقة بآليات ISO 20022، مما يقضي على الطلب المضاربي الريعي.

3. فصل المالية العامة عن التمويل النقدي، أي وقف سياسة “طباعة الدينار” لتمويل العجز، والاتجاه نحو أدوات دين حكومية حقيقية، مع الاستفادة من منصة B2G Data Platform لضمان الشفافية وتوفير بيانات موثوقة لصناع القرار.

4. تعزيز الشفافية والإبلاغ عن المخاطر، أسوة بالمتطلبات الجديدة في التشريعات المالية العالمية مثل قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي، بتبني أطر للإبلاغ عن المخاطر المالية والتشغيلية المرتبطة بالتحول الرقمي وأنظمة المدفوعات.

5. اعتماد مؤشرات رفاهية متعددة الأبعاد في تقييم الأداء الاقتصادي والاجتماعي، تتجاوز مجرد الناتج المحلي الإجمالي، وتشمل مؤشرات الصحة والأمن والتماسك الاجتماعي وجودة المؤسسات وجودة البيئة.

تاسعاً: الخروج من VUCA و FUCA و BANI نحو ثقافة مالية مستقرة

إن استقالة المحافظ، رغم مرارتها، تمنحنا فرصة لإعادة ضبط البوصلة. الخروج من الخوف (Fear) وعدم اليقين (Uncertainty) يتطلب:

· ثقافة مالية مؤسسية لا تعتمد على الأشخاص بقدر ما تعتمد على الأنظمة والتقنيات.

· تفعيل المادة القانونية التي تسمح للمصرف المركزي بممارسة دوره الرقابي دون تدخلات سياسية تضعه في موقف المستجيب للطوارئ بدلاً من المخطط للسياسات.

· تعزيز الدفاع الرقمي (Digital Defense) لحماية البنية التحتية المالية من الاختراقات التي تستهدف زعزعة الثقة.

· اعتماد ممارسات الذكاء الاصطناعي المسؤول لضمان أن الابتكار الرقمي يعزز الشمولية والثقة بدلاً من تقويضها.

· إعادة تعريف معايير التقدم والنجاح لتشمل رفاهية المواطن واستدامة الموارد، وليس فقط النمو الاقتصادي المجرد.

كما قال الوزير سالم العالم في احتفال طرابلس الثقافي: “الاستثمار في الإبداع لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية.” وأضيف: الاستثمار في حوكمة المال والتحول الرقمي المسؤول هو الضمان الوحيد لاستدامة أي انتعاش ثقافي أو اقتصادي.

خاتمة وتوصيات

إن استقالة السيد ناجي عيسى ليست نهاية الطريق، بل هي بداية مراجعة شاملة يجب أن يقودها العقلاء في الدولة. أوصي بما يلي:

1. البدء الفوري في تنفيذ المرحلة التجريبية (Pilot) للنظام الهجين بين CHIPS و CIPS عبر المصارف التجارية الكبرى، كأداة عملية لاستعادة الثقة في القنوات الرسمية للتحويلات الدولية.

2. إعادة هيكلة دعم الطاقة وفق جدول زمني واضح، مع تعويض الفئات الأكثر احتياجاً عبر الدعم النقدي المشروط المنفذ إلكترونياً.

3. إصدار ميثاق وطني للسياسة النقدية والمالية يحدد صلاحيات كل مؤسسة، ويضمن عدم تحميل المصرف المركزي أعباء ليست من اختصاصه.

4. تسريع وتيرة إطلاق منصة B2G Data Platform الموثوقة كمركز وطني للبيانات المالية، يدعم جهود مكافحة الفساد وغسل الأموال، ويعزز الوقائية قبل ردود الأفعال.

5. اعتماد إطار وطني للذكاء الاصطناعي المسؤول في القطاع المالي، يضمن الشفافية والمساءلة والعدالة في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

6. تبني مؤشرات رفاهية متعددة الأبعاد في تقييم الأداء الاقتصادي، تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لتشمل الصحة والأمن والتماسك الاجتماعي والاستدامة البيئية.

7. تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص في مجالات التدريب المهني، وتمويل المشاريع الصغيرة، وتطوير البنية التحتية الرقمية.

8. إنشاء وحدة متخصصة للأمن السيبراني المالي لحماية البنية التحتية المالية من الهجمات السيبرانية المتطورة.

9. إصدار تقارير دورية عن ممارسات الذكاء الاصطناعي المسؤول في المؤسسات المالية، أسوة بالمتطلبات العالمية المتزايدة للشفافية والإفصاح.

10. تعزيز الشراكات الدولية لنقل المعرفة وبناء القدرات في مجالات التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.

ختاماً، نقف اليوم أمام مشهدين متوازيين: مشهد ثقافي يبشر بالنهضة، ومشهد مالي يعيد ترتيب أوراقه. وبينهما، يبقى الأمل معقوداً على إرادة الليبيين في بناء دولة المؤسسات والقانون، حيث يكون المال أداة للتنمية لا سلاحاً للصراع، وتكون التكنولوجيا وسيلة لتعزيز العدالة والشفافية، لا لتوسيع الهوة بين الفئات والأجيال.

مشاركة الخبر