كتب: خبير اقتصادي مقالاً
في الاقتصاد، ليست كل الأزمات تولد في اللحظة التي يشعر بها الناس.
بعضها يتراكم لسنوات، في الحسابات والدفاتر والمراكز المالية، ثم يظهر فجأة في صورة تضخم، وضغط على سعر الصرف، وارتفاع في الأسعار، وتراجع في القوة الشرائية.
وربما تكمن إحدى أهم حلقات المشهد الاقتصادي الليبي اليوم في التمييز بين الدين الذي نشأ تاريخياً، وبين الجهة التي تتحمل آثاره اليوم.
فحكومة الوحدة الوطنية لم تكن طرفاً في نشأة الدين العام التاريخي، ولم تكن هي الجهة التي أنشأت تلك الالتزامات التي يجري الحديث عنها.
لكن المشكلة أن التزامات مالية سابقة يمكن، عبر تسويات ومقاربات محاسبية ونقدية لاحقة، أن تنتقل من كونها مشكلة تاريخية إلى ضغط اقتصادي حاضر.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
من دين تاريخي إلى التزام في المركز المالي، عندما تنفق الدولة أكثر مما تملك، ينشأ عجز.
وفي النظام المالي الطبيعي، يكون لهذا العجز مسار واضح: اقتراض، أو إصدار أدوات دين، أو تسجيل التزامات حكومية محددة يمكن تتبعها ومعرفة آجالها وتكلفتها والجهة المسؤولة عنها.
لكن عندما تتراكم الالتزامات خارج هذا المسار، فإنها لا تختفي.
قد تنتقل بين المؤسسات والحسابات، وقد تتحول من التزام مالي إلى مطالبة مصرفية، أو من حساب إلى آخر، أو من مشكلة في المالية العامة إلى مشكلة في النظام المصرفي.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد: كم يبلغ الدين العام؟
السؤال هو:
كم تبلغ الالتزامات التي نشأت في الماضي، وكيف انتقلت من كونها التزامات تاريخية إلى مكونات في المركز المالي للمصرف المركزي؟
هذه هي الحلقة التي تحتاج إلى كشف كامل وشفاف.
حكومة الوحدة الوطنية ليست طرفاً في أصل المشكلة
من الخطأ السياسي والاقتصادي تحميل حكومة الوحدة الوطنية مسؤولية دين لم تنشئه.
فالحكومة الحالية جاءت إلى واقع مالي ونقدي ومصرفي يحمل تراكمات سنوات.
لكن عدم مسؤوليتها عن نشأة الالتزامات لا يعني أن الاقتصاد لن يدفع ثمن طريقة معالجتها.
وهنا يجب التفريق بين أمرين:
مسؤولية إنشاء الالتزام، ومسؤولية إدارة أثره بعد ظهوره.
الأول يعود إلى الفترة التي نشأ فيها الالتزام.
أما الثاني فيرتبط بالطريقة التي جرى بها التعامل معه لاحقاً.
وهذا التفريق مهم جداً، لأن النقاش العام في ليبيا كثيراً ما يخلط بين الاثنين.
اللحظة التي تتحول فيها المشكلة القديمة إلى ضغط جديد
المشكلة تبدأ عندما تنتقل الالتزامات القديمة إلى المركز المالي للمصرف المركزي من خلال تسويات مالية ومحاسبية.
فالمصرف المركزي ليس مجرد مؤسسة تحتفظ بالأموال.
إنه المؤسسة التي توجد في قلب النظام النقدي والمصرفي.
ولهذا فإن أي تسوية ضخمة تجري في مركزه المالي يمكن أن تكون لها آثار تتجاوز الدفاتر.
وهنا تظهر أهمية إعادة تقييم الأصول.
ارتفاع القيمة الدفترية لبعض الأصول الأجنبية، أو ارتفاع قيمة الذهب، يمكن أن يولد فروقات إعادة تقييم كبيرة.
لكن يجب ألا نخلط بين الربح المحاسبي والثروة الاقتصادية الجديدة.
ارتفاع سعر الذهب لا يعني أن ليبيا أنتجت ذهباً جديداً.
وارتفاع القيمة الدفترية للأصول الأجنبية لا يعني بالضرورة دخول دولار جديد إلى الاقتصاد.
إنها إعادة قياس لقيمة أصول موجودة أصلاً.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:
كم بلغت أرباح إعادة التقييم؟
بل:
ماذا حدث لهذه الفروقات بعد تسجيلها؟
هل بقيت كاحتياطيات وحقوق ملكية محاسبية؟
أم استُخدمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تسوية التزامات مالية متراكمة؟
وإذا حدث ذلك، فما حجم تلك الالتزامات؟ وما طبيعتها؟ ومن أنشأها؟ وكيف انتقلت إلى المركز المالي للمصرف المركزي؟
هذه ليست أسئلة محاسبية هامشية.
إنها أسئلة تتعلق بالسياسة النقدية والاستقرار المالي.
المشكلة ليست في القيد… بل في أثره
قد يبدو الأمر في البداية مجرد عملية محاسبية.
لكن الاقتصاد لا يعيش داخل الدفاتر.
إذا أدت التسويات إلى الاعتراف بمطالبات مصرفية أو أرصدة قابلة للاستخدام، فإن المشكلة تنتقل من الميزانية إلى النظام المصرفي.
ومن النظام المصرفي إلى السيولة.
ومن السيولة إلى الطلب.
ومن الطلب إلى الأسعار وسوق الصرف.
وهنا يصبح الالتزام القديم، الذي لم يكن المواطن يعرف عنه شيئاً عندما نشأ، جزءاً من الواقع الاقتصادي الذي يعيشه اليوم.
هذه هي النقطة الجوهرية.
المشكلة ليست أن رقماً انتقل من خانة إلى خانة.
المشكلة هي: هل أدى هذا الانتقال إلى خلق قدرة شرائية أو سيولة أو مطالبات مصرفية لا يقابلها إنتاج حقيقي أو تدفقات جديدة من النقد الأجنبي؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الاقتصاد أمام ضغط يصعب استيعابه.
اقتصاد صغير أمام التزامات ضخمة
الاقتصاد الليبي ليس اقتصاداً يستطيع امتصاص أي حجم من السيولة أو الالتزامات دون آثار.
اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، ويستورد نسبة ضخمة من احتياجاته، ويملك قاعدة إنتاج محلي محدودة مقارنة بحجم الطلب.
في مثل هذا الاقتصاد، ضخ قدرة شرائية كبيرة دون زيادة مقابلة في السلع والخدمات والإنتاج والنقد الأجنبي لا يؤدي إلى اختفاء المشكلة.
بل يبحث الضغط عن منفذ.
قد يكون المنفذ في الأسعار.
وقد يكون في سوق الصرف.
وقد يكون في زيادة الطلب على العملات الأجنبية.
وقد يكون في تراجع القوة الشرائية للدينار.
وهنا يصبح من الصعب جداً على الاقتصاد الحقيقي استيعاب التزامات ضخمة تراكمت عبر سنوات ثم جرى إدخال آثارها إلى النظام المالي في فترة قصيرة.
لماذا لا يمكن علاج المشكلة من السوق؟
لأن السوق ليس مصدر المشكلة.
السوق يكشفها.
التاجر لا يصنع التضخم وحده.
والمستورد لا يصنع الضغط على الدولار وحده.
والمستهلك لا يصنع انخفاض القوة الشرائية.
هذه كلها نتائج تظهر عندما يكون هناك اختلال أكبر بين حجم السيولة والطلب من جهة، وحجم الإنتاج والعرض والنقد الأجنبي من جهة أخرى.
ولهذا فإن معالجة الأسعار فقط تشبه محاولة خفض حرارة المريض من دون علاج المرض.
يمكن أن تنجح مؤقتاً.
لكنها لا تعالج السبب.
السؤال الذي يجب أن يطرح على المركز المالي
ربما آن الأوان لفتح هذا الملف بعيداً عن التجاذبات السياسية.
ليس السؤال: من نلوم؟
وليس السؤال: أي حكومة أنفقت أكثر؟
السؤال الأكثر أهمية هو:
ما هي الالتزامات التي انتقلت إلى المركز المالي للمصرف المركزي؟
ثم:
- متى نشأت؟
- من هي الجهة التي أنشأتها؟
- هل كانت مسجلة كدين عام أم كالتزامات مصرفية؟
- كيف تمت تسويتها؟
- ما علاقة فروقات إعادة تقييم الأصول بهذه التسويات؟
- هل نتج عنها أرصدة مصرفية قابلة للاستخدام؟
- ما حجم السيولة التي أصبحت مرتبطة بها؟
- وما أثرها على سعر الصرف والطلب على النقد الأجنبي؟
هذه الأسئلة وحدها قادرة على تحويل النقاش من السياسة إلى الأرقام.
الدين الذي لم تره الحكومة
المفارقة أن الحكومة التي تدير الاقتصاد اليوم قد لا تكون هي التي صنعت الالتزام الذي يضغط عليه.
وحكومة الوحدة الوطنية ليست طرفاً في نشأة هذا الدين التاريخي.
لكنها، مثل الاقتصاد الليبي كله، أصبحت تعمل داخل نتائجه.
وهنا تكمن خطورة المسألة.
فالالتزام الذي نشأ قبل سنوات يمكن أن يصبح اليوم ضغطاً على المالية العامة، وعلى المصرف المركزي، وعلى المصارف التجارية، وعلى سوق الصرف، وعلى الأسعار.
أي أن الدين قديم، لكن أثره جديد.
والمشكلة ليست في أن أحداً يريد إخفاءه بالضرورة.
المشكلة أن الدين يمكن أن يختفي من الشكل التقليدي للدين العام، ثم يعود إلى الاقتصاد من باب آخر: باب المراكز المالية والتسويات والسيولة.
وهذا هو الدين الذي لم يره المواطن عندما نشأ.
لكنه يراه اليوم في سعر الدولار.
ويراه في سعر السلع.
ويراه في تراجع قيمة دخله.
ويراه في كل مرة يذهب فيها إلى السوق.
الحقيقة التي تحتاجها ليبيا
ليبيا لا تحتاج إلى معركة جديدة بين الحكومات والمؤسسات.
هي تحتاج إلى كشف الحساب.
كشف كامل للالتزامات التاريخية.
وكشف لطريقة انتقالها.
وكشف للتسويات التي جرت.
وكشف للأثر النقدي الناتج عنها.
لأن تحميل حكومة الوحدة الوطنية مسؤولية دين لم تنشئه لا يحل المشكلة.
وفي المقابل، تجاهل الطريقة التي جرى بها إدخال تلك الالتزامات إلى النظام المالي لا يحلها أيضاً.
الحل يبدأ عندما نضع كل الأرقام على الطاولة.
فإذا كان هناك دين عام تاريخي، فليُعلن.
وإذا كان هناك التزام مصرفي نشأ عن إنفاق عام سابق، فليُعلن.
وإذا جرت تسويات باستخدام فروقات إعادة تقييم، فلتُشرح محاسبياً.
وإذا تحولت تلك التسويات إلى سيولة أو مطالبات مصرفية تضغط على الاقتصاد، فليُقاس أثرها بالأرقام.
فالاقتصاد لا يحاسب الحكومات على نواياها.
ولا يحاسب المواطنين على أخطاء لم يرتكبوها.
الاقتصاد يحاسب النتائج.
وربما يكون أخطر ما في الدين الليبي أنه لم يظهر عندما وُلد.
ظهر فقط عندما بدأ الاقتصاد يدفع ثمنه.





