| مقالات اقتصادية
“أبو القاسم”: تراجع الإيرادات العامة في ليبيا بين غموض الأرقام وتصاعد الإنفاق: دعوة للمساءلة والشفافية
كتب رئيس قسم المحاسبة الأكاديمية الليبية “د.أبوبكر أبو القاسم” مقالاً قال خلاله:
أظهر التقرير الشهري لشهر فبراير أن الإيرادات النفطية الموردة إلى المصرف المركزي من قبل المؤسسة الوطنية للنفط بلغت نحو 906 ملايين دولار فقط. وتشير هذه الأرقام إلى وجود فجوة كبيرة بين حجم الصادرات النفطية المعلنة والإيرادات المحولة فعليًا، حيث يُقدَّر أن ما يزيد على 60% من الإيرادات النفطية لم ينعكس بعد في حسابات الإيرادات العامة على الأقل وفق البيانات المتاحة.
ويثير هذا الوضع العديد من التساؤلات، خصوصًا في ظل استقرار نسبي في مستويات الإنتاج والتصدير، والتي تتجاوز 1.3 مليون برميل يوميًا. فمن المفترض في مثل هذه الظروف أن تشهد الإيرادات النفطية استقرارًا أو تحسنًا نسبيًا، لا أن تتجه نحو التراجع التدريجي من شهر إلى آخر.
ولا يقتصر الأمر على الإيرادات النفطية فقط، بل يمتد كذلك إلى الإيرادات السيادية الأخرى مثل الضرائب والجمارك وعوائد الاتصالات ومبيعات المحروقات، والتي تُظهر البيانات المتاحة أن مساهمتها في الإيرادات العامة تكاد تكون محدودة للغاية، بل وفي بعض التقارير تقترب من الصفر لفترات ممتدة، وهو ما يعكس اختلالًا واضحًا في هيكل الإيرادات العامة للدولة.
وفي المقابل، يتزامن هذا التراجع في الإيرادات مع مستويات إنفاق مرتفعة ومتسارعة، الأمر الذي يزيد من حدة الاختلالات المالية ويضع ضغوطًا إضافية على الاستقرار المالي للدولة. إن استمرار هذا الاتجاه قد يقود إلى تحديات خطيرة تتعلق بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية، خصوصًا تلك المرتبطة بتوفير الخدمات العامة والوفاء بالاستحقاقات المعيشية للمواطنين.
إن هذه المؤشرات تستدعي وقفة جادة ومسؤولة من جميع الجهات المعنية، وفي مقدمتها السلطات الرقابية والعدلية، من أجل تعزيز الشفافية وتوضيح مسار الإيرادات العامة، وضمان إدارة الموارد المالية للدولة وفق قواعد الحوكمة الرشيدة والمساءلة.
لقد تم التنبيه إلى هذه الإشكاليات في أكثر من مناسبة، غير أن خطورة المرحلة الراهنة تفرض ضرورة فتح نقاش وطني جاد حول إدارة الإيرادات والإنفاق العام، والعمل على تصحيح المسار المالي قبل أن تتفاقم التحديات وتنعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
ربما تكون هذه صرخة جديدة، لكنها صرخة يأمل أصحابها أن تجد هذه المرة من يصغي إليها ويستجيب لها