كتب: خبير نفطي واقتصادي “منصف الشلوي” مقالاً
شهدت أسواق النفط العالمية خلال الساعات الماضية تراجعاً ملحوظاً في أسعار خام برنت عقب الإعلان عن التوصل إلى تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز وعودة حركة الملاحة البحرية بصورة طبيعية، وهو ما دفع الأسواق إلى التخلص من جزء كبير من “علاوة المخاطر الجيوسياسية” التي كانت مضافة إلى سعر النفط خلال الأشهر الماضية.
ومع كل انخفاض في أسعار النفط، يتكرر سؤال مشروع داخل ليبيا:
هل يعني ذلك خسارة مباشرة للاقتصاد الليبي؟
والإجابة الموضوعية هي:
ليس بالضرورة، بل إن الصورة أكثر تعقيداً وتوازناً مما يعتقده الكثيرون.
أولاً: لماذا انخفض النفط أصلاً؟
علينا أن نتذكر أن جزءاً مهماً من ارتفاع أسعار النفط خلال الفترة الماضية لم يكن ناتجاً عن زيادة حقيقية في الطلب العالمي، بل بسبب مخاوف الأسواق من تعطل الإمدادات القادمة من الخليج العربي وإغلاق أو تقييد الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، وعندما بدأت مؤشرات التهدئة والاتفاق بالظهور، تراجعت تلك المخاوف فانخفضت الأسعار تلقائياً.
بمعنى آخر:
السوق لم يخسر نفطاً فعلياً، بل فقد جزءاً من “علاوة الخوف”.
ثانياً: ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لليبيا؟
من الناحية النظرية، نعم، انخفاض سعر برنت يؤدي إلى انخفاض الإيرادات النفطية للدولة الليبية إذا استمر لفترة طويلة.
لكن من الناحية العملية، يجب النظر إلى الجانب الآخر من المعادلة.
فليبيا ليست فقط دولة مصدرة للنفط الخام، بل هي أيضاً:
- مستورد كبير للبنزين.
- مستورد كبير للديزل.
- مستورد للمازوت ومشتقات نفطية أخرى.
- مستورد لجزء من احتياجات الغاز والوقود لمحطات الكهرباء بصورة غير مباشرة.
وبالتالي فإن انخفاض أسعار النفط العالمية يؤدي عادة إلى انخفاض أسعار المنتجات النفطية المكررة التي تستوردها ليبيا.
ثالثاً: أين تكمن المفارقة؟
خلال السنوات الأخيرة أصبحت فاتورة استيراد المحروقات في ليبيا من أكبر بنود الإنفاق بالعملة الصعبة.
وقد شهد الرأي العام الليبي مؤخراً أرقاماً كبيرة تخص استيراد البنزين والديزل، وصلت في بعض الأشهر إلى مستويات غير مسبوقة.
لذلك فإن انخفاض أسعار النفط العالمية لا يعني فقط تراجع الإيرادات، بل يعني أيضاً:
- انخفاض تكلفة البنزين المستورد.
- انخفاض تكلفة الديزل المستورد.
- انخفاض تكلفة المازوت.
- انخفاض تكاليف النقل والتأمين البحري.
- انخفاض تكلفة تشغيل جزء من منظومة الكهرباء.
وهنا تبدأ عملية التوازن الاقتصادي.
رابعاً: ما هو العامل الأهم؟
العامل الأهم ليس سعر النفط وحده.
بل الفرق بين:
قيمة الصادرات النفطية وقيمة الواردات النفطية والمحروقات المستوردة.
فإذا انخفض سعر النفط بنسبة 10% مثلاً، لكن انخفضت فاتورة المحروقات المستوردة بالنسبة نفسها أو أكثر، فإن الأثر الصافي على الاقتصاد قد يكون محدوداً أو حتى إيجابياً في بعض الحالات.
ولهذا السبب لا يمكن الحكم على أي تطور في أسعار النفط من زاوية واحدة فقط.
خامساً: ماذا عن المواطن الليبي؟
المواطن الليبي غالباً لا يشعر مباشرة بتقلبات أسعار النفط العالمية بسبب نظام الدعم المحلي.
لكن ما يهمه فعلياً هو:
- استقرار الكهرباء.
- استقرار الوقود بالمحطات.
- استقرار سعر الصرف.
- استقرار الأسعار والتضخم.
وإذا ساهم انخفاض أسعار المحروقات عالمياً في تقليص فاتورة الاستيراد وتخفيف الضغط على النقد الأجنبي، فإن ذلك قد ينعكس إيجابياً على الاقتصاد بصورة غير مباشرة.
سادساً: هل يجب أن نقلق؟
القلق الحقيقي لا يتعلق بانخفاض النفط من 100 دولار إلى 85 دولاراً مثلاً.
القلق الحقيقي يكون عندما تنخفض الأسعار إلى مستويات متدنية لفترات طويلة، مثل أقل من 60 أو 50 دولاراً للبرميل، لأن ذلك يؤثر على قدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام والمشروعات التنموية.
أما الأسعار الحالية، ورغم تراجعها، فما زالت ضمن مستويات تاريخياً جيدة مقارنة بمتوسطات طويلة الأجل.
الخلاصة
من الخطأ النظر إلى هبوط أسعار النفط باعتباره خبراً سيئاً لليبيا بشكل مطلق.
كما أنه من الخطأ اعتبار ارتفاع الأسعار خبراً جيداً دائماً.
الاقتصاد الليبي اليوم يقف في منطقة وسط بين كونه مصدراً للنفط الخام ومستوردًا ضخماً للمحروقات المكررة، ولذلك فإن أي تقييم موضوعي يجب أن ينظر إلى جانبي المعادلة معاً.
أما الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستخلصه من هذه التطورات فهو أن مستقبل الاقتصاد الليبي لا ينبغي أن يبقى رهينة لتقلبات سعر برميل النفط وحده، بل يجب أن يتجه نحو زيادة التكرير المحلي، وتقليل استيراد المحروقات، وتعظيم القيمة المضافة من كل برميل يتم إنتاجه.
فعندما تنتج الدولة النفط وتكرر جزءاً أكبر منه محلياً، تصبح أقل تأثراً بارتفاع الأسعار أو انخفاضها، وأكثر قدرة على حماية اقتصادها من تقلبات الأسواق العالمية.
ولهذا فإن الخبر الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل الليبيين ليس فقط كم أصبح سعر برنت اليوم، بل كم برميلاً من البنزين والديزل والمازوت ما زلنا نستورد من الخارج، وكم فرصة ما زالت متاحة لتحويل النفط الليبي من مادة خام للتصدير إلى مصدر قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.




