
| مقالات اقتصادية
“الفارسي”: حماية الاقتصاد الوطني: كيف فرضت حالة الضرورة أدواراً استثنائية على المصرف المركزي؟
كتب: عضو لجنة السياسة النقدية بالمركزي “أيوب الفارسي” مقالاً
هناك اتفاق على أن وزارة المالية هي صاحبة الاختصاص الأصيل في إدارة الميزانيات والنشر المالي هو اعتراف بالأساس القانوني السليم الذي يجب أن تسير عليه الدولة، وموقف المصرف المركزي الأخير لا يأتي من باب “التنصل”، بل هو خطوة ضرورية لإعادة الأمور إلى نصابها المؤسسي الصحيح.
ولكي تتضح الصورة كاملة، لا بد من أخذ النقاط التالية في الاعتبار:
دعم التوحيد لا إلغاء الاختصاص: رعاية المصرف المركزي لترتيبات مالية أو اتفاقيات إنفاق موحد لم تكن رغبة في التغول على اختصاصات وزارة المالية، بل كانت إجراءات استثنائية فرضتها حالة الضرورة القصوى لمنع الانهيار المالي الناتج عن الانقسام الحكومي.
هذه الخطوات كانت تهدف إلى مد الجسور بين الأطراف لضمان استمرار تدفق المرتبات والخدمات الأساسية للمواطن، وليس سحب الاختصاص من الوزارة بشكل دائم.
طبيعة البيانات المالية: نعم، المركزي هو مصدر التمويل والممر لجميع النفقات، لكن بياناته هي بيانات “تدفقات نقدية داخلة وخارجة” (Cash Flow) وليست بيانات قيود محاسبية وميزانيات قطاعية تفصيلية تبين أوجه الصرف الفعلي ومستنداتها وقانونيتها، وهو الدور الحصري لوزارة المالية والجهات الرقابية.
نشر بيانات شاملة ومصنفة بشكل دقيق هو وظيفة مالية بحتة، واستمرار المركزي في تصدر هذا المشهد يكرس العشوائية المؤسسية بدلاً من علاجها.
فرض الرسوم والسياسة النقدية: المقترحات المتعلقة بفرض رسوم على مبيعات النقد الأجنبي (والتي تُفسر خطأً كضرائب) هي أدوات تقع في صلب السياسة النقدية ومسؤولية الدفاع عن قيمة العملة الوطنية وكبح التضخم عندما تعجز السياسات المالية للحكومات عن السيطرة على الإنفاق العام.
وهي أدوات معترف بها عالمياً في ظروف الأزمات الهيكلية بغض النظر عن صحتها أو لا الحديث هنا عن الاختصاص.
تصحيح المسار يبدأ من مكان ما: التدخلات السابقة للمصرف المركزي كانت “إسعافية” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في غياب الميزانيات الموحدة. واليوم، التمسك بضرورة قيام وزارة المالية بدورها في نشر البيانات وحوكمة الإنفاق هو بداية التصحيح الفعلي للمسار والعودة إلى دولة القانون والمؤسسات، وليس تناقضاً في المواقف، فاستمرار الخطأ الاستثنائي وجعله قاعدة دائمة لا يبني دولة.




