Skip to main content
"الفارسي" يكتب: فن الممكن النقدي .. إدارة الأزمات النقدية بين غياب المثالية وحتمية الإنقاذ
|

“الفارسي” يكتب: فن الممكن النقدي .. إدارة الأزمات النقدية بين غياب المثالية وحتمية الإنقاذ

كتب عضو لجنة السياسات النقدية بمصرف ليبيا المركزي، منشورًا قال فيه:فن الممكن النقدي .. إدارة الأزمات النقدية بين غياب المثالية وحتمية الإنقاذ ..للتاريخ من أروقة السياسة النقدية.

ربما من سوء الحظ أن تكون عضوا في لجنة السياسة النقدية أو مسؤولا في مصرف ليبيا المركزي في هذه الظروف المعاكسة والصعبة، والمسؤولية تكون أضخم عندما تتحول من صنع سياسة نقدية مستقرة إلى واجب وطني أكبر بكثير ويرتبط بمستقبل الاقتصاد .

عندما يُدار النقاش حول تراجع القوة الشرائية للدينار الليبي وسعر صرفه، تُسقط أدبيات الاقتصاد التقليدي مفاهيمها الشائعة على واقع لا يشبهها في شيء. يُطالب المصرف المركزي بممارسة “هيمنة نقدية” أو استخدام أدوات نقدية تقليدية لضبط الإيقاع المالي، في تجاهل تام للبيئة المعقدة والمستحيلة تقريباً التي تعمل فيها السياسة النقدية في ليبيا وهي بيئة تجمع بين الانقسام المؤسسي، والانكشاف الخارجي شبه الكلي، وتشريعات تكبل حركة الأدوات النقدية.

ورغم هذا هامش المناوَرة الضيق، كانت التدخلات الاستثنائية للمصرف المركزي هي الحائط الأخير الذي منع السقوط إلى الهاوية، وتفادى سيناريوهات تضخمية جامحة كان يمكن أن تعصف بالبلاد.

وهنا سأسرد ملامح المشهد لعامة الناس ليعلموا أين تقف السياسة النقدية من أزمة الاقتصاد مستشهدا بأهم العقبات فقط وهي:

1. بيئة مكبلة تشريعياً وهيكلياً: وهم الأدوات التقليدية

لا تعمل السياسة النقدية في ليبيا داخل سوق مالية عميقة، ولا تمتلك ترف رفع أسعار الفائدة لامتصاص السيولة نتيجة القيود التشريعية الصارمة (القانون رقم 1 لسنة 2013 بشأن منع المعاملات الربوية)، كما لا تملك سوقاً نشطاً لأذونات الخزانة. ولا تم تفعيل أدوات التمويل الإسلامي بكفاءة حتى يتم محاكمتها بسبب محاربة التغيير دون النظر لمصلحة القطاع المصرفي،  تضاف إلى ذلك طبيعة اقتصاد ريعي يعتمد بنسبة تجاوز 90% على صادرات النفط المهددة بالإغلاقات المتكررة.

 – الأثر الكارثي الذي تم تجنبه  : لولا لجوء المركزي إلى أدوات استثنائية وغير تقليدية لإدارة السيولة ووضع سقف ومحاصصة لعرض النقد الأجنبي، لدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة من الطبع المنفلت للعملة لمواجهة الطلب، ولانتهى الأمر بانهيار كامل ومفاجئ لسعر الصرف على غرار تجارب الدول التي شهدت تضخماً مفرطاً (Hyperinflation)، حيث تصبح العملة المحلية بلا أي قيمة تبادلية. 

2. ملف الدين العام المصرفي: كبح التنازع المحاسبي عن إغراق السوق

تراكمت الالتزامات المالية والدين العام المصرفي الضخم نتيجة سنوات الانقسام والترتيبات المالية الطارئة. وكان الخطر الأكبر يكمن في كيفية التعاطي مع هذه الالتزامات ونقل آثارها إلى السوق النقدية.

 – الأثر الكارثي الذي تم تجنبه : لولا استيعاب المصرف المركزي لهذه الضغوط عبر معالجات نقدية ومحاسبية متدرجة، ومقاومة الضغوط الداعية إلى تسييل هذه الديون دفعة واحدة في صورة سيولة سائلة في أيدي القطاع المصرفي أو حائزي العملة، لوجد السوق الموازي نفسه أمام انفجار نقدية هائل (M1) يضاعف سعر الدولار أضعافاً مضاعفة في مدى زمني قصير جداً.

3. كبح جماح الشره الاستيرادي: ضغوط الإنفاق الاستثماري والجاري

في اقتصاد مغلق إنتاجياً ينعدم فيه البديل المحلي لمدخلات الإنتاج، يتحول أي إنفاق حكومي—سواء كان جارياً كالأجور أو تنموياً كالمشروعات فوراً وبفعل “أثر المضاعف” إلى طلب مكثف على النقد الأجنبي.

 – الأثر الكارثي الذي تم تجنبه: لو ترك المصرف المركزي طلبات التمويل وفتح الاعتمادات المستندية مفتوحة دون ضوابط أو قيود تجارية ونقدية تتماشى مع التدفقات النفطية الفعلية، لاستُنزفت الاحتياطيات الرسمية من النقد الأجنبي بالكامل في غضون سنوات قليلة. إن إدارة طلبات الاستيراد بالحد الأدنى المتاح منع نفاذ الأصول الخارجية، وأبقى للمؤسسة غطاءً استراتيجياً يحمي واردات الغذاء والدواء الأساسية.

4. عقلانية التحوط وإدارة التوقعات السلوكية

في ظل الشائعات، وضبابية البيانات، وتذبذب العوائد النفطية، يصبح تحول الأفراد والشركات إلى الدولار لحفظ القيمة سلوكاً عقلانياً للحماية من المجهول.

 – الأثر الكارثي الذي تم تجنبه: لولا استمرار المركزي في الضخ المنظم والمستقر للنقد الأجنبي (عبر المبيعات الرسمية والمنظومات الإلكترونية للأفراد والشركات)، حتى في أشد أوقات انخفاض الإيرادات، لسيطر الهلع السلوكي (Panic Buying) بالكامل على الشارع. هذا الهلع كان كفيلاً بإحداث تهافت مصرفي (Bank Run) وهروب جماعي من الدينار، مما كان سيرفع سعر الصرف الموازي إلى مستويات قياسية لا يمكن السيطرة عليها.

5. المواجهة الحاسمة للكتل النقدية الموازية (الفئات النقدية غير المرخصة)

شهدت الساحة النقدية دخول كتل ضخمة من النقد غير المرخص أو موازي الطباعة إلى التداول خارج المنظومة المصرفية الرسمية، مما شكل تهديداً صريحاً لسيادة العملة.

 – الأثر الكارثي الذي تم تجنبه: لولا تدخل المصرف المركزي باتخاذ قرارات حازمة وسريعة لسحب بعض الفئات النقدية (مثل فئة الـ 50 ديناراً) وتقييد حركة هذه الكتل، لتسربت هذه الأموال المجهولة والمطبوعة دون غطاء إلى سوق العملة الموازية، ولتم استخدامها في عمليات مضاربة واسعة النطاق تعصف باستقرار الأسواق وتُجرد المركزي من أي قدرة على حساب عرض النقود الحقيقي.

وللتاريخ تم عقد اجتماعات مطولة مع مكتب المساعدة والدعم METAC التابع لصندوق النقد الدولي لتقديم دعم فني للحالة الليبية، وكنت حاضرا في تلك الاجتماعات مع قناعتي بأن الخبير الليبي أقدر بكثير بفهم الواقع المعقد للاقتصاد الليبي ولكن كان المسيطر على الخبراء حالة من الذهول والدهشة حول انعدام فرص التحرك التقليدية وبعضهم  كبار قادة سابقين في بنوك مركزية أروربية وكيف أن الوضع ليس بالسوء الذي تفرضه المعطيات الكارثية رغم أنه واقع سيء على كل حال.

خاتمة القول:

إن تقييم أداء السياسة النقدية في ليبيا بمعايير الدول ذات الظروف المستقرة هو تجنٍ علمي وعملي. ففي ظل خيارات أحلاها مر، وغياب الانضباط المالي الشامل، لم تكن السياسة النقدية تبحث عن حلول مثالية مفقودة، بل كانت تخوض معركة يومية لـ “إدارة الأزمة” وتقليل الأضرار. وبفضل هذه المعالجات الاستثنائية بحدودها الأدنى، ظل الاقتصاد الليبي متماسكاً، ونجت الدولة من سيناريو الانهيار المالي الشامل الذي كان سيمحو القوة الشرائية المواطن بشكل كامل.

لا أقول أن المركزي لم يقع في بعض الأخطاء ولكنه كان دائما يعمل بهدف منع الانهيار والعمل في البيئة المستقرة لا يخلوا من بعض الاخفاقات فما بالك بالبيئة الليبية المأزومة. وللاسف لازالت البيئة تخلق مزيدا من العراقيل للسياسة النقدية وللأسف أيضا سيستمر المركزي في عمله لمنع ماهو أسوأ وكما كان لمقالي هذا عنوان في البداية فإن العنوان الختامي له هو (السياسة النقدية في ليبيا.. معركة لدرء الأسوأ لا لصنع المثالية). 

مشاركة الخبر