Skip to main content
"الشلوي": لماذا ترتفع المحروقات رغم هدوء النفط؟.. بين المصافي والجيوسياسة والسوق الليبي
|

“الشلوي”: لماذا ترتفع المحروقات رغم هدوء النفط؟.. بين المصافي والجيوسياسة والسوق الليبي

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

تزايد خلال الفترة الأخيرة الحديث عن ارتفاع أسعار المحروقات عالميًا، بالتزامن مع ملاحظات عن ارتفاع فاتورة استيراد الوقود في ليبيا وظهور اختناقات متقطعة في بعض الأسواق المحلية. وهذا يطرح سؤالًا مشروعًا: هل ارتفعت أسعار البنزين والديزل فعلًا؟ وإذا كان النفط الخام لم يرتفع بالنسبة نفسها، فلماذا ارتفعت كلفة المحروقات؟ وهل يوجد شح عالمي؟

الإجابة تحتاج أولًا إلى التمييز بين سوق النفط الخام وسوق المنتجات النفطية المكررة.

فالبرميل المنتج من الحقل ليس بنزينًا أو ديزلًا جاهزًا للاستهلاك، بل يحتاج إلى النقل والتكرير والتخزين ثم الشحن والتوزيع. ولذلك قد يتراجع سعر الخام بينما تبقى أسعار البنزين والديزل مرتفعة إذا كانت المصافي أو الإمدادات من المنتجات النهائية تواجه ضغوطًا.

وهذا بالفعل أحد أبرز ملامح السوق الحالية. فوكالة الطاقة الدولية أشارت إلى أن زيادة إمدادات الخام خلال يونيو ساهمت في تراجع أسعاره، لكن أسواق المنتجات المكررة بقيت أكثر ضيقًا، لترتفع هوامش التكرير في أوائل يوليو إلى أعلى مستوياتها في نحو أربع سنوات، مع استمرار الضغوط بصورة خاصة على البنزين والديزل.

وهنا نجد تفسيرًا مهمًا للمفارقة التي قد تبدو غير مفهومة للمتلقي: ليس بالضرورة أن تنخفض فاتورة الوقود كلما انخفض سعر برميل النفط.

المصافي أصبحت جزءًا أساسيًا من المشكلة

العالم لا يواجه اليوم نقصًا بسيطًا في النفط الخام بقدر ما يواجه، في بعض الفترات والأسواق، ضيقًا في القدرة على تحويل الخام إلى منتجات جاهزة وفي إيصال هذه المنتجات إلى مناطق الاستهلاك.

وقد تأثرت طاقات التكرير في الشرق الأوسط، بينما ظلت صادرات المنتجات من الخليج أبطأ في التعافي من صادرات الخام. وفي الوقت نفسه جاءت التطورات الروسية لتضيف ضغطًا جديدًا على السوق.

وهنا أرى أهمية الإشارة إلى العامل الروسي، لأنه أحيانًا يغيب عن النقاش المحلي.

فالهجمات الأوكرانية لم تستهدف منشأة روسية واحدة، بل طالت عددًا من المصافي ومنشآت الطاقة. ومن أحدث الأمثلة استهداف مجمع Gazprom Neftekhim Salavat في باشكورتوستان يوم 13 أغسطس، وهو أحد مجمعات التكرير والبتروكيماويات المهمة في روسيا. ⁠

والأهم من الحوادث منفردة هو أثرها التراكمي؛ إذ تراجعت صادرات روسيا البحرية من المنتجات النفطية خلال يوليو بنحو 33% مقارنة بيونيو، وسط انخفاض إنتاج الوقود وأعمال صيانة غير مخططة مرتبطة بالأضرار التي لحقت بعدد من المصافي.

ولأن روسيا من المنتجين والمصدرين المهمين للديزل عالميًا، فإن انخفاض صادراتها لا يبقى شأنًا روسيًا داخليًا، بل ينعكس على توازن السوق في أوروبا والبحر المتوسط وأفريقيا، أي الأسواق التي تعتمد عليها دول مستوردة مثل ليبيا بدرجات مختلفة. كما تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن الهجمات على المصافي الروسية أسهمت في زيادة ضيق أسواق المنتجات خارج روسيا أيضًا.

والجيوسياسة ترفع أكثر من سعر النفط

هناك أيضًا أثر مباشر للتوترات في منطقة الخليج والممرات البحرية.

فالمخاطر الجيوسياسية لا تنعكس فقط على سعر الخام، وإنما على أجور الناقلات والتأمين ومخاطر الرحلات وتوافر السفن وتوقيت التسليم وهوامش الموردين.

ولهذا قد يكون أثر الأزمة على لتر الديزل المستورد أكبر من أثرها الظاهر على برميل الخام نفسه.

وقد بقيت أسعار بعض المنتجات، خصوصًا الديزل ووقود الطائرات والغاز المسال، مرتفعة نتيجة اضطرابات الإمدادات، وفق متابعة وكالة الطاقة الدولية لأسواق الشرق الأوسط.

إذن ما نراه حاليًا يمكن وصفه بأنه سوق منتجات مشدودة وليس انقطاعًا عالميًا للمحروقات. الوقود موجود، لكن هامش الأمان بين العرض والطلب أقل، وبالتالي يصبح السوق أكثر حساسية لأي توقف في مصفاة أو ميناء أو ممر ملاحي.

وماذا يعني ذلك بالنسبة إلى ليبيا؟

في ليبيا يجب التمييز بين سعر الوقود المدعوم الذي يدفعه المواطن في المحطة وبين الكلفة الحقيقية التي تتحملها الدولة لاستيراد هذا الوقود من الأسواق الدولية.

فعندما ترتفع أسعار المنتجات المكررة وهوامش التكرير والنقل والتأمين، قد ترتفع فاتورة الاستيراد حتى لو لم ترتفع الكميات المستوردة، بل وربما انخفضت.

وهذا ما يجعل قراءة بيانات المؤسسة الوطنية للنفط الشهرية مهمة؛ فلا ينبغي الحكم على الفاتورة من رقم القيمة وحده، بل بمقارنتها بالكميات ونوعية المنتجات والأسعار العالمية في الفترة نفسها.

كما أن ليبيا ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على التوريد الخارجي لتغطية احتياجاتها من البنزين والديزل، ولذلك فهي بطبيعة الحال أكثر تعرضًا لتقلبات سوق المنتجات المكررة العالمية من دولة تستطيع تغطية معظم طلبها من مصافيها المحلية.

وهل الطوابير دليل على عدم وجود الوقود؟

ليس بالضرورة.

فوجود كميات كافية على مستوى التوريد أو المستودعات لا يعني تلقائيًا وصولها بالكفاءة والتوقيت نفسيهما إلى جميع المحطات.

هناك سلسلة تبدأ من وصول الناقلة وتفريغها في الميناء، ثم التخزين والنقل إلى المستودعات ومنها إلى شركات التوزيع والمحطات. وأي اختناق في إحدى هذه الحلقات يمكن أن ينتج عنه ازدحام محلي.

وقد ناقشت المؤسسة الوطنية للنفط والجهات المعنية بالفعل خلال مايو أسباب الازدحام في المحطات، بما في ذلك النقل والتوزيع والمخزون والتهريب، وأكدت المؤسسة استمرار التوريد وضرورة معالجة الاختلالات بمشاركة مختلف الجهات المختصة.

كذلك لا يمكن فصل استهلاك الديزل عن وضع الكهرباء؛ فكلما زاد استخدام الوقود السائل في محطات التوليد أو المولدات الخاصة، ارتفع الضغط على الطلب المحلي.

المسألة إذن أكبر من سعر البرميل

ما يجري حاليًا هو نتيجة اجتماع عدة عوامل:

اضطرابات جيوسياسية، وتضرر أو توقف طاقات تكريرية، وانخفاض صادرات المنتجات الروسية، وضغوط على بعض مصافي الخليج، وارتفاع كلفة النقل والتأمين، وطلب موسمي، مع اعتماد دول عديدة على الاستيراد.

وفي الحالة الليبية تضاف إليها محدودية طاقة التكرير المحلية، واعتماد قطاع الكهرباء جزئيًا على الوقود السائل، وكفاءة منظومة التخزين والنقل والتوزيع والرقابة.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا ارتفعت فاتورة المحروقات؟

بل كيف نقلل تعرض ليبيا لهذه التقلبات مستقبلاً؟

وهنا يصبح تطوير المصافي المحلية، وزيادة استخدام الغاز في توليد الكهرباء، وتحسين المخزون الاستراتيجي والتخزين والتوزيع والرقابة، جزءًا من أمن الطاقة الوطني وليس مجرد ملف فني لقطاع النفط.

فالبلد المنتج للنفط لا يضمن أمنه في المحروقات بمجرد امتلاكه الخام، وإنما بقدرته على تحويل هذا الخام إلى منتجات يحتاجها اقتصاده ومواطنوه، وتقليل اعتماده على شراء هذه المنتجات من سوق دولية شديدة التقلب.

مشاركة الخبر