Skip to main content
"الشلوي": محروقات يوليو 2026.. ماذا تكشف بيانات المؤسسة الوطنية للنفط عن الاستيراد والاستهلاك وهيكل الطلب المحلي؟
|

“الشلوي”: محروقات يوليو 2026.. ماذا تكشف بيانات المؤسسة الوطنية للنفط عن الاستيراد والاستهلاك وهيكل الطلب المحلي؟

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

استمرار المؤسسة الوطنية للنفط في نشر بيانات تفصيلية عن حركة المحروقات لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد نشرٍ لأرقام شهرية، وإنما باعتباره خطوة مهمة في بناء قاعدة معلومات يستطيع من خلالها المواطن والمتخصص والنخب الاقتصادية والجهات الرقابية قراءة واحد من أكثر ملفات الاقتصاد الليبي حساسية وتعقيداً.

والجديد المهم في بيان شهر يوليو 2026 أنه لا يكتفي بالإعلان عن قيمة المحروقات الموردة، بل يضع أمام الرأي العام الكميات حسب نوع المنتج، ومصدرها المحلي أو الخارجي، والكميات الموزعة فعلياً، والأرصدة المرحلة، وكميات كبار المستهلكين، ثم توزيع جانب من الإمدادات على شركات التوزيع والبريقة وبقية القطاعات. وهذه التفاصيل هي التي تحول مفهوم الشفافية من عبارة عامة إلى بيانات قابلة للقراءة والتحليل والمقارنة.

ومن وجهة نظري، فإن توالي نشر هذه البيانات خلال الأشهر الأخيرة يمثل ممارسة مؤسسية جديرة بالتثمين والتطوير؛ لأن الشفافية الحقيقية لا تعني أن تكون الأرقام مريحة دائماً، بل أن تكون الأرقام متاحة، بحيث يستطيع الجميع مناقشتها، والسؤال عنها، ومقارنتها، واستخلاص المؤشرات منها على أساس معلومات رسمية بدلاً من التقديرات والانطباعات.

وفق بيانات يوليو، بلغ إجمالي ما استلمته السوق من المنتجات النفطية من المصادر المحلية والخارجية نحو 1.388 مليون طن متري. وتصدر وقود الديزل الكميات بنحو 625.4 ألف طن، يليه البنزين بنحو 534.8 ألف طن، ثم الزيت الثقيل بنحو 155.8 ألف طن، والكيروسين بنحو 40.4 ألف طن، والغاز المسال بنحو 31.4 ألف طن.

لكن القراءة الأهم تبدأ عندما نفصل بين المصدر الخارجي والمصدر المحلي.

فمن إجمالي الكميات المستلمة في يوليو، جاء نحو 1.017 مليون طن متري من الخارج، أي ما يقارب 73% من إجمالي الإمدادات، بينما وفرت المصادر المحلية نحو 371 ألف طن متري أو قرابة 27%.

وتزداد دلالة هذه النسبة عندما ننظر إلى المنتجين الأكثر ارتباطاً بالاستهلاك اليومي؛ فمن أصل 534.8 ألف طن من البنزين جاء نحو 504.9 ألف طن من الخارج، أي قرابة 94% من الكمية المستلمة. وفي الديزل، جاء نحو 512 ألف طن من أصل 625.4 ألف طن من المصادر الخارجية، أي قرابة 82%.

هذه الأرقام لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها مجرد فاتورة استيراد، وإنما باعتبارها مؤشراً واضحاً على درجة اعتماد السوق الليبية على الخارج في اثنين من أهم المنتجات النفطية.

وفي المقابل، تظهر البيانات أن الغاز المسال والكيروسين والزيت الثقيل المستلم خلال يوليو جاءت كمياتها من المصادر المحلية، وهو ما يوضح أن صورة الإمداد ليست واحدة بالنسبة إلى جميع المنتجات، وأن التحدي الأكبر يتركز بصورة خاصة في البنزين والديزل.

أما على مستوى الاستهلاك والتوزيع، فقد بلغ إجمالي ما تم ضخه إلى السوق المحلية خلال يوليو نحو 1.369 مليون طن متري، موزعاً بين نحو 646.9 ألف طن من الديزل، و512.9 ألف طن من البنزين، و155.4 ألف طن من الزيت الثقيل، و35.5 ألف طن من الكيروسين، و18.5 ألف طن من الغاز المسال.

وهنا يمكننا أن نستخلص مؤشراً مهماً آخر يتعلق بتركيبة الطلب المحلي.

فمحطات الكهرباء وحدها استلمت خلال يوليو نحو 405.3 ألف طن من الديزل، بما يمثل قرابة 63% من إجمالي الديزل الموزع في البلاد خلال الشهر، إضافة إلى نحو 57.7 ألف طن من الزيت الثقيل. وبجمع المنتجين تكون محطات الكهرباء قد استهلكت نحو 463 ألف طن متري من الوقود السائل خلال شهر واحد، أي ما يعادل نحو ثلث إجمالي المحروقات التي جرى توزيعها في السوق خلال يوليو.

وهذا الرقم في تقديري يستحق التوقف عنده كثيراً.

ليس لأن توفير الوقود لمحطات الكهرباء أمر غير مبرر؛ فاستمرار الكهرباء خدمة أساسية لا يمكن للدولة الاستغناء عنها، والمؤسسة مطالبة بتأمين احتياجات الجهات المستهلكة وفق الترتيبات المعتمدة. لكن الرقم يكشف في المقابل عن كلفة هيكلية يتحملها الاقتصاد نتيجة استمرار اعتماد جزء مهم من إنتاج الكهرباء على الديزل والزيت الثقيل.

ومن هنا يجب التفريق بين توفير الوقود وبين الاستفادة المثلى من الوقود.

فالمؤسسة الوطنية للنفط تقوم بتأمين جانب من الإمدادات التي يطلبها السوق والقطاعات المختلفة، أما معالجة جذور ارتفاع الطلب على الوقود السائل فتتجاوز عملية التوريد نفسها إلى سياسات أوسع تتعلق بزيادة إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء، وتطوير قدرات التكرير المحلية، ورفع كفاءة الاستهلاك، ومعالجة التشوهات المرتبطة بالدعم، والرقابة على سلسلة التوزيع والاستهلاك.

ولهذا فإن تحميل فاتورة المحروقات لطرف واحد لا يقدم تفسيراً اقتصادياً دقيقاً للمشكلة.

وعند مقارنة يوليو بالشهر السابق تظهر صورة تستحق القراءة أيضاً. فقد بلغ إجمالي المنتجات الموزعة في يونيو نحو 1.481 مليون طن متري مقابل 1.369 مليون طن في يوليو، أي انخفاض بنحو 7.5%. كما تراجعت الكميات المستلمة من نحو 1.519 مليون طن في يونيو إلى نحو 1.388 مليون طن في يوليو، بانخفاض يقارب 8.7%.

ولكن خلف هذا الانخفاض الإجمالي حدث تغير واضح في مزيج المنتجات.

فبينما انخفض توزيع البنزين من نحو 734 ألف طن في يونيو إلى 512.9 ألف طن في يوليو، أي بنحو 30%، ارتفع توزيع الديزل من نحو 499.8 ألف طن إلى 646.9 ألف طن، بزيادة تقارب 29%. كما ارتفع الكيروسين، بينما تراجع الزيت الثقيل والغاز المسال.

ولهذا فإن المقارنة الشهرية ينبغي ألا تتوقف عند الرقم الإجمالي، وإنما يجب أن تبحث في كيفية تغير تركيبة الاستهلاك، لأن ارتفاع منتج وانخفاض آخر قد يرتبط بمستويات المخزون، وتوقيت وصول الشحنات، والطلب القطاعي، وظروف الكهرباء، وحركة الأرصفة والتفريغ والتوزيع.

والأفضل منهجياً أن نراقب هذه المؤشرات لعدة أشهر متتالية قبل تحويل أي حركة شهرية إلى استنتاج هيكلي دائم.

ويؤكد ذلك النظر إلى شهر مايو؛ إذ كانت التوزيعات حينها في حدود 1.070 مليون طن متري، قبل أن ترتفع بصورة واضحة في يونيو ثم تستقر في يوليو عند مستوى لا يزال أعلى من مايو بنحو 28%. وهذا يوضح أهمية بناء سلسلة زمنية شهرية؛ لأن قراءة شهر منفرد قد تعطي انطباعاً مختلفاً تماماً عن الاتجاه الذي تكشفه ثلاثة أو ستة أو اثنا عشر شهراً.

أما من الناحية المالية، فقد قدرت المؤسسة قيمة المحروقات الموردة خلال يوليو بنحو 1,005,984,493 دولاراً، أي ما يزيد بقليل على مليار دولار. وفي تقرير توريدات يونيو كانت القيمة المعلنة نحو 965 مليون دولار، ما يعني أن القيمة التقديرية ارتفعت في يوليو بنحو 41 مليون دولار، أو قرابة 4.2%، رغم انخفاض إجمالي الكميات المستلمة بنحو 8.7%.

وهذه في حد ذاتها ملاحظة اقتصادية مهمة، لكنها لا تسمح وحدها بالقول إن سعر شراء الوقود ارتفع بالنسبة نفسها؛ لأن قيمة فاتورة الشهر تتأثر بمزيج المنتجات وأسعار كل منتج وتوقيت التعاقد والشحن والتسوية والأسعار العالمية وشروط التوريد.

ولذلك فإن الخطوة التالية التي يمكن أن تزيد هذا الإفصاح قوة في المستقبل هي إرفاق هذه الجداول، متى أمكن، بمؤشرات إضافية عن متوسطات أسعار التوريد أو النطاقات السعرية لكل منتج، بما يسمح للمتخصصين بفصل أثر تغير الكميات عن أثر تغير الأسعار.

وهنا أجد من الضروري التوقف عند نقطة سبق أن كانت محل نقاش اقتصادي خلال الأيام الماضية. فقد جرى تداول رقم يقارب 1.410 مليار دولار باعتباره تكلفة واردات المحروقات خلال يونيو، بينما البيانات التشغيلية التفصيلية المنشورة عن المؤسسة للشهر ذاته تحدثت عن قيمة تقديرية للمحروقات الموردة تبلغ نحو 965 مليون دولار.

ومن الناحية المهنية، لا أرى أن الحل هو ترجيح رقم على الآخر دون معرفة أساس القياس المحاسبي والمالي لكل منهما.

فقد يكون هناك اختلاف بين قيمة الشحنات الموردة فعلياً خلال شهر معين، وبين قيمة الاعتمادات المستندية المفتوحة أو المسددة خلال الشهر نفسه، وبين الالتزامات المالية المرتبطة بشحنات تخص فترات أخرى. والمؤسسة نفسها سبق أن أوضحت أن آلية سداد الوقود انتقلت إلى العمل بالاعتمادات المستندية عبر المصرف الليبي الخارجي، وأن توقيت التحصيل والتسويات المالية لا يتطابق بالضرورة مع توقيت الإنتاج أو التوريد الفعلي.

ولهذا فإن توحيد تعريفات «التوريد» و«الاستيراد» و«قيمة الاعتمادات» و«المبالغ المسددة» بين المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف الليبي الخارجي ومصرف ليبيا المركزي سيجعل المقارنات أكثر دقة، ويزيل مساحة كبيرة من الالتباس أمام الرأي العام والخبراء.

وهذا في حد ذاته يوضح لماذا يعد الإفصاح الحالي مهماً؛ لأنه لا يغلق باب الأسئلة، بل يوفر المادة التي تسمح بطرح الأسئلة الصحيحة.

ومن زاوية أخرى، يكشف تقرير يوليو أن قضية المحروقات في ليبيا ليست قضية استيراد فقط، وإنما قضية أمن طاقة وإدارة طلب وبنية اقتصادية. فدولة منتجة ومصدرة للنفط الخام لا تزال تستورد النسبة الساحقة من احتياجاتها من البنزين والديزل، وتستهلك كميات كبيرة من الوقود السائل في توليد الكهرباء.

والحل المستدام بالتالي لا يكون فقط في البحث عن أرخص شحنة بنزين أو ديزل، على أهمية ذلك، بل في تقليل الحاجة أصلاً إلى تلك الشحنات عبر رفع كفاءة المصافي، وزيادة إنتاج المشتقات محلياً، وتسريع مشاريع الغاز وتوجيهه نحو محطات الكهرباء، وتحسين كفاءة منظومة الطاقة والرقابة على الاستهلاك والتوزيع.

وهنا يصبح نشر البيانات جزءاً من الحل، لأن الدولة لا تستطيع إصلاح منظومة لا تقيسها ولا يستطيع الرأي العام تقييم سياسة لا تتوافر أرقامها.

ومن الإنصاف، في تقديري، أن يُحسب للمؤسسة الوطنية للنفط أنها باتت تضع أمام المواطن أرقاماً كان النقاش حولها في السابق يعتمد في أحيان كثيرة على التسريبات والتقديرات. والشفافية لا تعني العصمة من النقد، بل على العكس؛ كلما زادت المعلومات المنشورة أصبح النقد أكثر مهنية، وأصبح الدفاع عن الأداء الجيد أكثر استناداً إلى الوقائع، وأصبحت مواطن الخلل أكثر وضوحاً أمام صانع القرار.

ومن هنا فإنني أرى أن القيمة الأكبر لتقرير يوليو ليست فقط في أنه أخبرنا أن فاتورة المحروقات تجاوزت مليار دولار، بل في أنه سمح لنا بمعرفة ماذا استوردنا، وماذا أنتجنا محلياً، وكم وزعنا، ومن استهلك، وما الذي تم ترحيله إلى الشهر التالي.

هذه هي البداية الصحيحة لأي نقاش اقتصادي جاد.

فالهدف في النهاية ليس تجميل الأرقام ولا تضخيمها، وليس الدفاع عن مؤسسة أو تحميلها ما لا يدخل في اختصاصها، وإنما الوصول إلى السؤال الوطني الأهم:

كيف تستطيع ليبيا أن تحول ثروتها النفطية من مورد يمول استيراد الطاقة إلى منظومة متكاملة تنتج أكبر قدر ممكن من احتياجاتها محلياً، وتستخدم الغاز والنفط بأعلى كفاءة، وتحقق للدولة والمواطن أكبر عائد اقتصادي ممكن؟

وعندما تصبح الإجابة عن هذا السؤال مبنية على بيانات رسمية متتابعة ومفتوحة أمام الجميع، نكون قد انتقلنا خطوة مهمة من الجدل حول قطاع النفط إلى إدارة قطاع النفط والاقتصاد بلغة الأرقام والحقائق.

مشاركة الخبر