
| مقالات اقتصادية
“البوري”: إعادة تفعيل صندوق موازنة الأسعار ليست حلاً.. ليبيا بحاجة لدعم المواطن لا دعم السلع
كتب: الخبير المصرفي “نعمان البوري” مقالاً
استغرب ممن يطالب بإعادة تفعيل صندوق موازنة الأسعار، وكأن المشكلة في ليبيا هي أن هذه المؤسسة توقفت عن العمل، بينما الحقيقة أن تجربة موازنة الأسعار امتدت لعقود، ولم تنجح في معالجة أصل المشكلة، بل ساهمت في خلق تشوهات اقتصادية كبيرة.
إذا كنا نريد فعلاً أن نتعلم من الماضي، فعلينا أن نسأل سؤالاً بسيطاً:
ماذا حقق صندوق موازنة الأسعار خلال العقود الماضية؟
هل نجح في بناء سوق مستقرة؟
هل منع ارتفاع الأسعار؟
هل وصل الدعم إلى المواطن بصورة عادلة؟
هل منع التهريب والمضاربة؟
وهل كانت تكلفة الدعم على الدولة متناسبة مع النتائج التي تحققت؟
أعتقد أن الإجابة على هذه الأسئلة يجب أن تسبق أي دعوة لإعادة تفعيل الصندوق.
المشكلة الأساسية ليست في غياب صندوق لموازنة الأسعار، وإنما في النموذج الاقتصادي نفسه.
عندما تتدخل الدولة لتحديد أسعار السلع وبيعها بأقل من تكلفتها الحقيقية، فإنها لا تلغي التكلفة؛ بل تنقلها إلى الخزينة العامة.
وفي اقتصاد يعاني من ضعف الرقابة، وتعدد أسعار الصرف، والتهريب، والاقتصاد الموازي، يصبح الدعم غير الموجه بيئة مثالية للتسرب والاستفادة منه من قبل غير المستحقين.
والنتيجة أن الدولة تنفق مليارات، بينما لا يشعر المواطن بالضرورة بأن هذه الأموال وصلت إليه.
الأخطر من ذلك أن دعم السلعة يعني أن الغني والفقير يحصلان على الدعم نفسه.
الدولة تدعم الوقود، فيستفيد منه من يمتلك سيارة واحدة ومن يمتلك عدة سيارات.
وتدعم بعض السلع، فيستفيد منها المواطن المحتاج كما يستفيد منها التاجر والمضارب والمهرب.
هذه ليست عدالة اجتماعية.
الدعم يجب أن يذهب إلى الإنسان، وليس إلى السلعة.
إذا كانت الدولة تريد حماية المواطن من ارتفاع الأسعار، فالأفضل أن تنتقل تدريجياً من دعم الأسعار إلى دعم الدخل، ومن الدعم العام إلى الدعم الموجه.
يمكن، على سبيل المثال، إنشاء قاعدة بيانات وطنية حقيقية للمواطنين، وربطها بالمنظومة المصرفية والرقمية، بحيث يتم تحويل الدعم النقدي مباشرة إلى المواطن المستحق، بدلاً من محاولة التحكم في أسعار السوق من خلال مؤسسات حكومية.
وفي الوقت نفسه، يجب معالجة الأسباب الحقيقية لارتفاع الأسعار:
- استقرار سعر الصرف.
- تفعيل السياسة النقدية.
- توحيد الانفاق.
- إصلاح السياسة المالية.
- مكافحة التهريب.
- ايقاف تمويل الحكومات بالعجز
- تطوير منظومة الدفع الإلكتروني.
- تقليل الاعتماد على الإنفاق الحكومي كمحرك وحيد للاقتصاد.
أما إعادة إنشاء أو تفعيل مؤسسة بنفس العقلية القديمة، ثم ضخ الأموال فيها مرة أخرى، فهذا في رأيي ليس إصلاحاً، بل إعادة إنتاج للمشكلة نفسها.
نحن لا نحتاج إلى إعادة المؤسسات التي فشلت فقط لأنها كانت موجودة في الماضي.
نحتاج إلى أن نسأل:
لماذا فشلت؟ وما الذي يجب أن نفعله بطريقة مختلفة؟
ليبيا اليوم تملك فرصة لإعادة تصميم منظومة الدعم بالكامل، مستفيدة من التكنولوجيا والبيانات والمدفوعات الرقمية، بحيث يكون الدعم شفافاً، مستهدفاً، قابلاً للقياس والمراجعة.
والأهم أن ننتقل من فلسفة:
“الدولة تدعم السلعة”
إلى فلسفة:
“الدولة تحمي المواطن”.
الفرق بين الاثنين كبير جداً.
الأولى تستهلك المال العام وتخلق تشوهات في السوق.
أما الثانية فتستهدف الإنسان، وتحافظ على كرامته، وتسمح للسوق بالعمل بصورة طبيعية.
لذلك، قبل أن نطالب بإعادة تفعيل صندوق موازنة الأسعار، أعتقد أن علينا أولاً أن نراجع تجربته بالكامل، بالأرقام والنتائج، وأن نجيب بموضوعية:
هل نريد فعلاً العودة إلى الماضي، أم نريد بناء منظومة اقتصادية جديدة تعلمت من أخطاء الماضي؟
ليبيا لا تحتاج إلى إعادة تدوير الحلول القديمة.
ليبيا تحتاج إلى حلول جديدة لمشاكل قديمة.





