
| أخبار
“الفارسي” يكتب: الأثر المتوقع للإستبدال النقدي على السياسة النقدية في ظل هيكل الميزانية العامة
كتب عضو لجنة السياسة النقدية بالمركزي “أيوب الفارسي” مقالاً قال فيه الأثر المتوقع للإستبدال النقدي على السياسة النقدية في ظل هيكل الميزانية العامة
إصلاح الدعم في دولة مثل ليبيا.
بها أكثر من 2.6 مليون موظف حكومي (يتقاضون رواتب تلتهم أصلاً جزءاً هائلاً من الميزانية) ونسبة فقر تتجاوز 40% لو، فإن حساب تكلفة “البديل النقدي المباشر” يضع صانع القرار أمام معادلة مرعبة قد تقلب الحسابات المالية للدولة بدلاً من إصلاحها، إذا لم تُصمم بدقة متناهية.
فالمخاطر النقدية المرتبطة بهذه السياسة:
1. معضلة “السيولة النقدية” والتضخم النقدي (Monetary Inflation)
تحويل دعم المحروقات العيني (الذي يدفع المصرف المركزي قيمته دولارات للخارج لاستيراد الوقود، أو يخصم من النفط الخام) إلى “سيولة نقدية” تُضخ شهرياً في حسابات ملايين المواطنين سيتسبب في كارثة نقدية:
(تضخم الكتلة النقدية):
الاقتصاد الليبي يعاني أصلاً من تضخم مستمر. ضخ مليارات الدينارات الإضافية شهرياً كبديل نقدي سيزيد من حجم العملة المتداولة خارج القطاع المصرفي.
(الضغط على سعر الصرف):
المواطنون لن يحتفظوا بالدينارات المدفوعة كبديل؛ بل سيتجهون فوراً لشرائها سلعاً مستوردة أو تحويلها إلى دولار للحفاظ على قيمتها، مما يخلق ضغطاً رهيباً على احتياطيات المصرف المركزي، ويؤدي إلى انهيار جديد في قيمة الدينار في السوق الموازي.
2. حساب تكلفة البديل: هل تغطي الميزانية؟
الدولة الان لا تدعم المحروقات فقط بل تدعم كل مناحي الحياة الاقتصادية من خلاله بطريقة غير مباشرة حتى رغيف الخبز مع غياب شبكة حماية اجتماعية يمثل هذا الدعم آخر خط حماية ضد انهيار ماتبقى من مستويات معيشة الأفراد .
إذا افترضنا جدلاً أن الدولة قررت منح بديل نقدي عام لكل الأسرة الليبية لتعويض الارتفاع الشامل في الأسعار:
* عدد السكان الليبيين (غير معروف أصلا وهي أحد متطلبات الاستبدال أساسا ) عدم وجود تعداد للسكان ناهيك عن بيانات دقيقة عن الدخول فهناك مليونيرات في القطاع الخاص يتاقضون نفس مرتب الفقير في قطاعات الدولة، ولو افترضنا عدد السكان يقارب 7 ملايين نسمة (حوالي 1.2 إلى 1.5 مليون أسرة).
* إذا تم تخصيص بديل نقدي “عادل” يمتص القفزة التضخمية للوقود والنقل والكهرباء والسلع، لن يقل هذا البديل عن *3000 دينار شهرياً لكل أسرة**. نصفها لدعم الوقود والنصف الآخر لموجة التضخم الهائلة التي سيتسبب فيها الاستبدال من جهتين دفع التكلفة ودفع الطلب.
هذا الوضع مع هيكل الميزانية الحالي سيكلف الدولة قرابة43 مليار دينار كل عام تضاف لبند الاسبتدال بدل بند الدعم .
ويبقى بند دعم الأدوية موجودا على سبيل المثال.
* إذا أضفنا هذه التكلفة إلى فاتورة المرتبات الضخمة التي تتجاوز (70 مليار دينار سنوياً)، ستصبح الميزانية التسييرية (مرتبات + بديل نقدي) تبتلع كامل إيرادات النفط، مما يعني أننا لن نوفر شيئاً للتنمية، بل غيرنا اسم البند فقط من “دعم محروقات” إلى “دعم نقدي”.
فالبديل النقدي ذو جدوى اقتصادية متى كانت نسبة الطبقات عالية الدخل المستثناه كبيرة وليس كل الشعب .
إن المعالجات القائمة على الحسابات التي لا تراعي التبعات الاقتصادية الناتجة عن طبيعة الاقتصاد والاندفاع العاطفي—والتي تعتمد غالباً على استغلال نقمة الناس المشروعة ضد المهربين—لا يمكنها أن تؤدي إلى حلول حقيقية تصب في مصلحة المجتمع إذا ظلت حبيسة “الخطوة الواحدة” والإجراءات الفورية السطحية. فالقرارات غير المدروسة التي تميل إلى معالجة العَرَض لا المرض، تؤدي إلى تفاقم الأزمة وخلق اختناقات اقتصادية واجتماعية أشد تعقيداً. وهنا يبقى مبدأ ( المآلات والنتائج بعيدة المدى) هو الفيصل الحقيقي والحكم الفاصل في تقييم أي سياسة؛ فالإصلاح الناجح لا يُقاس بنبل الدوافع أو بحزم البدايات، بل بمدى استدامة الحلول وقدرتها على تحقيق الاستقرار وتجنيب الناس أعباءً إضافية على المدى الطويل.
قضية دعم المحروقات لها مفتاحان هما محاربة الفساد والتهريب.



