
| أخبار
خاص.. مُعلقاً على قرار وزير المالية بإلغاء الدولار الجمركي.. “الفارسي”: هذا القرار ينتقل من كونه أداة لتعزيز الإيرادات العامة إلى معول هدم للقدرة الشرائية
صرح عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي “د.أيوب الفارسي” حصرياً لصحيفة صدى الاقتصادية بقرار وزير المالية بحكومة الوحدة برفع سعر الدولار الجمركي إلى 6 بعد ما كان ب2 وربع، قائلاً: هذا الإجراء يمس جوهر التناقض الصارخ في إدارة السياسات الاقتصادية والمالية في ليبيا حالياً، القرار رقم (160) لسنة 2026 الصادر عن وزارة المالية بإلغاء “الدولار الجمركي” التقديري (الذي كان يتراوح بين 2.01 إلى 2.5 دينار) واعتماد سعر الصرف الرسمي الجاري بمصرف ليبيا المركزي (والذي يحوم حول 6.40 دينار بعد إضافة الضريبة أو تعديل الصرف) يمثل
*صدمة عرض قوية للاقتصاد المحلي.
مُضيفاً: في ظل غياب الرقابة على الأسعار ومتابعة آليات تنفيذ الاعتمادات المستندية، فإن هذا القرار ينتقل من كونه أداة لتعزيز الإيرادات العامة إلى “معول هدم” للقدرة الشرائية، وتظهر آثاره الاقتصادية المركبة في الجوانب التالية:
- الارتفاع المتتالي في المستوى العام للأسعار (التضخم المستورد)
القفزة المفاجئة في تقييم الوعاء الجمركي بنسبة تتجاوز 218% تعني مباشرة مضاعفة الرسوم الجمركية والضرائب المصاحبة لها بقرابة ثلاثة أضعاف، بما أن الأسواق الليبية تعاني أصلاً من غياب أدوات المتابعة وضبط هوامش ربح التجار، فإن المستوردين لن يمتصوا هذه الزيادة من أرباحهم، بل سيقومون بتحميلها بالكامل (بل وبزيادة تحوطية) على سعر البيع النهائي للمستهلك.
يتعمق الأثر لأن التضخم هنا مركّب؛ حيث يواجه المستورد ارتفاعاً في تكاليف الشحن الدولي وتكلفة تدبير النقد الأجنبي، وتضاف إليها الآن صدمة الرسوم الجمركية. - اتساع تشوهات منظومة الاعتمادات المستندية
الهدف المعلن من هذه السياسات الجمركية أحياناً هو ضرب “الاعتمادات الوهمية” وتقليص فجوة التربح. لكن غياب التنسيق مع السياسة النقدية يؤدي إلى نتائج عكسية:
- تشجيع التهريب والتسرب الضريبي:
الارتفاع الحاد في رسوم الموانئ الرسمية يخلق حافزاً هائلاً للمستوردين للبحث عن مسارات بديلة غير رسمية (تهريب) أو التلاعب في الفواتير وتقديم قيم أقل للبضائع (Under-invoicing) للتهرب من دفع الجمارك بنظامها الجديد.
*تضاعف كلفة التمويل:
المستورد الذي كان يحتاج لسيولة نقدية محددة بالدينار لدفع الرسوم الجمركية عند وصول البضاعة، أصبح الآن يحتاج إلى سيولة مضاعفة لتخليص شحنته، مما يعمق أزمة السيولة في القطاع التجاري ويرفع تكلفة السلع الإجمالية.
- التعارض والافتقار للتنسيق بين السياسات (Fiscal vs. Monetary Policy)
المشهد الحالي يجسد حالة واضحة من التناقض في المزيج السياساتي (Policy Mix):
فالمصرف المركزي يحاول (عبر أدواته النقدية وتقييد السيولة وبيع النقد الأجنبي) كبح جماح التضخم واستقرار الدينار.
وزارة المالية تتحرك بقرارات مالية/تجارية توسعية تهدف لتعزيز الجباية وجمع الأموال للخزانة العامة، مما يرفع الأسعار تلقائياً.
كأن السياسة النقدية تضغط على “المكابح” لتهدئة الأسواق، بينما تضغط السياسة المالية على “دواسة الوقود” لإشعال الأسعار؛ والنتيجة هي إلغاء متبادل للأثر الإيجابي، والضحية هي القوة الشرائية للمواطن. - تعميق الركود التضخمي (Stagflation)
مع ثبات المرتبات الحكومية والدخول الحقيقية للمواطنين، فإن هذا الارتفاع المفاجئ في أسعار السلع (خاصة التي تمس المعيشة اليومية بنسبة 90% كونها مستوردة) سيؤدي إلى تراجع حاد في الطلب الفعلي، لتدخل الأسواق في حالة من الركود التجاري المصحوب بارتفاع الأسعار.
اختتم بالقول: أي إصلاح مالي يقتصر على “جباية الأموال” وتعديل الأسعار الدفترية دون إطار رقابي صارم على الاعتمادات المستندية، ودون توحيد للمنافذ جغرافياً وإدارياً، يظل إجراءً مجتزءاً. فالجمارك في الفكر الاقتصادي أداة لحماية الإنتاج المحلي وتنظيم التجارة وليست مجرد أداة جباية لتمويل الإنفاق الاستهلاكي المتضخم.



