
| مقالات اقتصادية
“البوري”: رفع إنتاج النفط إلى مليوني برميل يومياً التمويل ليس المشكلة بل هيكل القطاع
كتب الخبير المصرفي “نعمان البوري” مقالاً حيث قال:
أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط عن هدف طموح يتمثل في رفع إنتاج ليبيا إلى مليوني برميل يومياً بحلول عام 2031. وهو هدف يمكن تحقيقه من الناحية الفنية، لكنه يتطلب استثمارات تُقدَّر بحوالي 36 مليار دولار خلال السنوات القادمة.
ويتجه التفكير مباشرة إلى سؤال التمويل: من أين ستأتي هذه الأموال؟
في اعتقادي، هذا هو السؤال الخطأ فالمشكلة الحقيقية ليست في توفر الأموال، بل في هيكل قطاع النفط نفسه.
فاليوم، تعتمد المؤسسة الوطنية للنفط وشركاتها بالكامل تقريباً على التمويل الحكومي، ولا تمتلك شركاتها الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي الذي يمكنها من الاقتراض أو إصدار أدوات دين أو الدخول في ترتيبات تمويل طويلة الأجل. وبعبارة أخرى، فإن شركات القطاع، بصيغتها الحالية، غير قابلة للتمويل (Non-Bankable)، مهما كانت جودة أصولها أو حجم احتياطياتها.
ولهذا، فإن تحقيق هدف مليوني برميل يومياً يتطلب إصلاحاً مؤسسياً قبل أن يتطلب تمويلاً.
الحل يكمن في إعادة هيكلة القطاع بما يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية، فتتحول المؤسسة الوطنية للنفط إلى شركة قابضة مستقلة، على غرار سوناطراك في الجزائر، وأرامكو في المملكة العربية السعودية، وأدنوك في دولة الإمارات العربية المتحدة.
تتولى الشركة القابضة إدارة الاستثمارات والموارد المالية باستقلالية، وتعمل وفق أسس تجارية واضحة، مع التزامها بسداد حقوق الامتياز والضرائب للدولة، بدلاً من الاعتماد على المخصصات السنوية من الموازنة العامة.
أما الشركات المنتجة، فينبغي أن تصبح شركات مستقلة بالكامل، تتمتع بذمم مالية منفصلة، وقوائم مالية مدققة، وحوكمة مؤسسية، ومجالس إدارة مسؤولة عن نتائجها، كما تلتزم بدفع الضرائب على أرباحها، وتدير تدفقاتها النقدية بصورة مستقلة، بما يجعلها مؤهلة للحصول على التمويل من المصارف والمؤسسات المالية المحلية والدولية.
وعندما تصبح هذه الشركات قابلة للتمويل (Bankable)، سيتغير المشهد بالكامل، فبدلاً من انتظار التمويل الحكومي، ستتمكن من تمويل مشاريعها التوسعية من خلال القروض، والسندات، وترتيبات التمويل المهيكل، والشراكات الاستثمارية، كما هو معمول به في كبريات شركات النفط الوطنية حول العالم.
إن إعادة هيكلة قطاع النفط لن تساعد فقط في الوصول إلى إنتاج مليوني برميل يومياً، بل ستؤسس لقطاع أكثر كفاءة وشفافية واستدامة، وتخفف العبء عن المالية العامة، وتفتح الباب أمام استثمارات بمليارات الدولارات دون تحميل الخزانة العامة أعباءً إضافية.
إن ليبيا لا تعاني من نقص في الثروة النفطية، وإنما تحتاج إلى نموذج مؤسسي حديث يمكّن هذه الثروة من تمويل نموها بنفسها، فعندما نُصلح الهيكل، سيصبح التمويل نتيجة طبيعية، وليس عقبة في طريق التنمية.



