كتب: الخبير القانوني في مجال النفط “عثمان الحضيري” مقالاً
عادت التصريحات الرسمية لإدارة مؤسسة النفط لتبشر بهدف رفع إنتاج ليبيا من النفط إلى مليوني برميل كالعادة يوميًا بحلول أوائل العقد المقبل، مستندة هذه المرة إلى إقرار أول ميزانية موحدة للدولة، والتي خصصت للمؤسسة تمويلًا يمكّنها من تشغيل الحقول، وصيانة البنية التحتية، وتنفيذ مشروعات التطوير، وجذب الاستثمارات الأجنبية.
لا أحد يختلف على أن توفير التمويل يمثل عنصرًا أساسيًا في تطوير قطاع النفط، لكن التجربة الليبية علمتنا أن التمويل وحده لا يصنع الإنجاز.
وهنا تبرز أولى علامات الاستفهام.
في عام 2023، حصلت المؤسسة على ميزانية استثنائية تجاوزت 52 مليار دينار، وقيل حينها إن هذه المخصصات ستقود إلى زيادة الإنتاج، وتأهيل الحقول، وحل مشكلات الصيانة، وتنفيذ مشاريع التطوير المؤجلة!
اليوم، وبعد مرور عدة سنوات، من حق الليبيين أن يتساءلوا..
ماذا تحقق من تلك الميزانية؟
كم مشروعًا أُنجز؟
كم بئرًا دخلت الخدمة؟
كم حقلًا أُعيد تأهيله؟
وكم ارتفع الإنتاج بصورة مستدامة نتيجة لذلك الإنفاق؟
هذه ليست أسئلة تشكيك، بل هي أبسط معايير تقييم الأداء في أي مؤسسة تدير أهم مورد اقتصادي للدولة.
المشكلة ليست في الميزانية فقط
الحديث عن ميزانية جديدة قد يمنح دفعة من التفاؤل، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم:
ما الذي تغيّر داخل القطاع النفطي الليبي ؟
إذا كانت الإدارة التنفيذية في المؤسسة وفي عدد من الشركات الكبرى هي ذاتها إلى حد كبير، وإذا كانت آليات اتخاذ القرار لم تتغير جذريًا، وإذا بقيت الإجراءات الإدارية والبيروقراطية كما هي، فما الذي سيقود إلى نتائج مختلفة؟
فالنتائج في الإدارة لا تتغير بمجرد زيادة الإنفاق، وإنما تتغير عندما تتغير طريقة الإدارة نفسها.
هل المشكلة في الأشخاص أم في المنظومة؟
هذا هو السؤال الذي يتكرر في كل مناسبة.
والإجابة ليست بسيطة.
فليس من العدل تحميل أشخاص بعينهم كل المسؤولية، كما أنه ليس من المنطقي إعفاء الإدارة الحالية والسابقة من مسؤولية النتائج.
الحقيقة أن قطاع النفط الليبي يعمل داخل بيئة معقدة؛ فقد عانى خلال السنوات الماضية من الانقسام السياسي، وإغلاقات الحقول، وتأخر اعتماد الميزانيات، وتداخل الصلاحيات، وعدم الاستقرار الأمني، وهي عوامل أرهقت القطاع وأعاقت تنفيذ كثير من المشاريع.
لكن هذه التحديات لا تفسر كل شيء.
فالإدارة الناجحة تُقاس بقدرتها على إدارة الأزمات، وترتيب الأولويات، واستثمار الموارد المتاحة بأفضل صورة، وتحويل الميزانيات إلى مشاريع، والمشاريع إلى إنتاج.
أما إذا ظل الأداء الإداري على حاله، فإن زيادة الأموال قد تعني ببساطة زيادة الإنفاق، لا زيادة الإنتاج.
أين الشفافية؟
إذا كانت الدولة تطلب من المواطنين التفاؤل بخطة الوصول إلى مليوني برميل يوميًا، فمن حق المواطنين أيضًا أن يطلعوا على خطة التنفيذ.
نحتاج إلى إجابات واضحة، لا إلى شعارات.
ما حجم الاستثمارات المطلوبة؟
ما المشروعات ذات الأولوية؟
ما الجدول الزمني لكل مشروع؟
ما نسبة الإنجاز الحالية؟
ومن المسؤول عن كل مرحلة؟
والأهم من ذلك كله:
كيف سيُقاس النجاح؟
فالشفافية ليست ترفًا إداريًا، بل هي الضمانة الوحيدة لبناء الثقة بين المؤسسات والرأي العام.
المستثمر لا يشتري الوعود
العالم اليوم لا ينظر إلى التصريحات، بل إلى المؤشرات.
الشركات العالمية لا تستثمر لأن هناك ميزانية، وإنما لأنها ترى استقرارًا في القرارات، وسرعة في الإجراءات، ووضوحًا في العقود، ومؤسسات قادرة على تنفيذ ما تعلن عنه.
لذلك، فإن نجاح خطة الوصول إلى مليوني برميل لن يقاس بحجم الأموال المخصصة، بل بسرعة تنفيذ المشاريع، واستقرار الإنتاج، وتحسن كفاءة التشغيل، وقدرة القطاع على جذب استثمارات جديدة.
ما نستخلصه مما تقدم الاتي ؛-
ليبيا تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لزيادة إنتاجها النفطي؛ احتياطيات ضخمة، وتكاليف إنتاج منخفضة، وموقعًا استراتيجيًا، وخبرة تراكمت عبر عقود.
لكن هذه المقومات وحدها لا تكفي.
لقد أثبتت التجارب أن الميزانيات تصنع الفرص، أما الإدارة فهي التي تصنع النتائج.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل لدينا المال؟
ولا حتى: هل نستطيع الوصول إلى مليوني برميل يوميًا؟
بل السؤال الذي يجب أن يسبق كل ذلك هو:
هل تعلمنا من تجربة 2023؟ وهل تغيرت الإدارة وآليات التنفيذ والمساءلة بما يكفي حتى لا نكرر الأخطاء نفسها؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فإن الهدف يصبح واقعيًا.
أما إذا بقيت الأدوات كما هي، فإن الأرقام ستظل تتغير في البيانات الصحفية والإعلامية، بينما يبقى الواقع أقل بكثير .




