Skip to main content
"الحضيري": الشفافية في القطاع النفطي الليبي.. هل هو واقعاً؟ وغير قابل للنقد!
|

“الحضيري”: الشفافية في القطاع النفطي الليبي.. هل هو واقعاً؟ وغير قابل للنقد!

كتب: الخبير القانوني في مجال النفط عثمان الحضيري مقالاً

تُعد المؤسسة الوطنية للنفط واحدة من أهم المؤسسات السيادية في ليبيا، ليس فقط لأنها تدير المورد الرئيسي للدخل العام، وإنما لأنها تتعامل مع ثروة يملكها الليبيون جميعًا. ولهذا فإن السؤال عن الشفافية والحوكمة داخل المؤسسة ليس اتهامًا لأحد، بل حق أصيل للمواطن، وضرورة لحماية المؤسسة نفسها من الشكوك والتجاذبات السياسية.

وللإنصاف يقتضي القول إن مؤسسة النفط قطعت خلال الفترة الأخيرة خطوات واضحة في مجال الإفصاح ، فقد أصبحت تنشر على موقعها تقارير عن الإنتاج والإيرادات، كما نشرت تفاصيل تحويلات عوائد النفط إلى مصرف ليبيا المركزي، وأعلنت في أكثر من مناسبة عن إجراءات تتعلق بالمشتريات وتوريد الوقود، ولكن الإفصاح عن بعض البيانات لا يعني بالضرورة اكتمال منظومة الشفافية والحوكمة.

هل تحقق المؤسسة متطلبات الحوكمة والشفافية؟

المعيار الحقيقي لا يتمثل في نشر الأخبار أو البيانات فقط، وإنما في إمكانية أن يستطيع المواطن والجهات الرقابية والمختصون تتبع دورة المال العام كاملة ، من الإنتاج والقياس والتصدير، إلى البيع والتحصيل والتحويل إلى مصرف ليبيا المركزي والخزانة العامة، ثم معرفة كيفية إنفاق الأموال.

وهنا تبرز الحاجة إلى مزيد من الإفصاح المنهجي، خصوصًا أن صندوق النقد الدولي أوصى ليبيا في تقريره لعام 2025 بالالتزام بمعايير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية ، مع إعطاء الأولوية لإنتاج بيانات دقيقة عن إنتاج النفط وصادراته، كما أوصى بتقوية إطار حوكمة مؤسسة النفط ، والفصل الواضح بين الدور الرقابي لمجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، ووضع معايير شفافة لاختيار القيادات، على مستوى الادارات العامة بالمؤسسة وشركاتها وتعزيز استقلالية أعضاء مجلس الإدارة لكل منها ، وإنشاء وظائف مستقلة للمخاطر والتدقيق والامتثال.

وهذه توصيات دولية مهمة، لأنها تعني أن التحدي لا يتعلق بنشر الأرقام فحسب، بل ببناء نظام مؤسسي يمكن التحقق منه بصورة مستقلة.

وماذا عن العقود وعمليات البيع؟

العقود النفطية ليست مجرد وثائق تجارية ، إنها ترتبط مباشرة بحقوق الدولة وبنصيبها من ثروتها الطبيعية. ولذلك تعتبر مبادرة نشر العقود والاتفاقيات والتراخيص من أهم أدوات تمكين المواطنين من معرفة التزامات الشركات وحقوق الدولة والعوائد المتوقعة من كل اتفاقيه .

ومن ثم فإن المطلوب ليس فقط الإعلان عن توقيع عقد أو اتفاق، بل إتاحة المعلومات الأساسية التي تسمح بتقييمه ، من حيث الأطراف، المدة، الالتزامات، الحصة المالية، شروط استرداد التكاليف، الالتزامات الاستثمارية، وآليات التدقيق والرقابة.

أما القول بأن عقود المؤسسة تتمتع بالمصداقية، فلا يمكن أن يكون حكمًا مهنيًا مطلقًا من دون إتاحة العقود وملحقاتها للجهات الرقابية، وإخضاعها للمراجعة القانونية والمالية والفنية المستقلة.

بيع النفط وشراء المنتجات.. أين تبدأ الثقة؟

في ملف بيع النفط الخام وشراء الوقود والمنتجات النفطية، تصبح الشفافية أكثر أهمية بسبب ضخامة القيم المالية وحساسية الأسعار العالمية.

وقد أعلنت المؤسسة في 2026 أن عمليات بيع النفط وشراء المنتجات تتم عبر المصرف الليبي الخارجي وتحت رقابة الجهات المختصة، كما أعلنت انتهاء نظام المقايضة منذ مارس 2025 والانتقال إلى آلية تعتمد على الاعتمادات المستندية لشراء الوقود ، يبقى السؤال المهم هل تم تنفيذ رسالة النائب العام بالخصوص؟؟

كما شهد ملف استيراد الوقود في 2026 تحولًا نحو المناقصات المباشرة، مع دخول شركات تجارية دولية في عمليات التوريد ، مع العلم لازالت المؤسسة تتعامل مع شركات قزمية في هذا المجال ولا نعرف لماذا هذا الاصرار ؟؟؟

هذه خطوات يمكن أن تعزز الشفافية، لكن المعيار النهائي هو نشر نتائج المناقصات بصورة قابلة للتحقق ، من تقدم؟ ومن فاز؟ وبأي سعر؟ وما الكميات؟ وما المواصفات؟ وما الأساس الذي تم بموجبه اختيار العرض الفائز؟

فالشفافية الحقيقية لا تقول فقط «أجرينا مناقصة»، وإنما تتيح للمراقب معرفة كيف جرت المناقصة ولماذا فاز هذا العرض تحديدًا.

هل تتطابق أرقام النفط مع مصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية؟

هذه من أهم النقاط التي يجب أن تتحول إلى نظام إفصاح دوري وموحد.

فمصرف ليبيا المركزي نشر بيانات تفصيلية عن إيرادات النفط والإتاوات المحولة إليه خلال 2025، وبلغ مجموعها نحو 22.05 مليار دولار تقربا ، منها نحو 18.79 مليار دولار إيرادات نفطية ونحو 3.26 مليار دولار إتاوات وفق كشف المصرف للفترة من يناير إلى ديسمبر 2025.

كما أظهر المصرف في نشراته الدورية أرقامًا مرحلية للإيرادات النفطية، مؤكدًا توجهه إلى رفع مستوى الإفصاح والشفافية ،

لكن المقارنة المهنية لا ينبغي أن تتوقف عند تطابق رقم إجمالي مع رقم آخر. المطلوب هو مطابقة شهرية قابلة للتدقيق بين مؤسسة النفط ومصرف ليبيا المركزي ووزارة المالية، تشمل الكميات المصدرة، أسعار البيع، قيمة الشحنات، تاريخ التحصيل، العمولات والمصروفات، والإيرادات والإتاوات المحولة.

وكلما أمكن للمواطن والمراجع المستقل أن ينتقل من رقم الإنتاج إلى رقم التصدير ثم إلى قيمة البيع ثم إلى المبلغ المودع في حساب الدولة، أصبحت الثقة أقوى.

هل مداخيل بيع النفط الخام تتوافق مع المعايير الدولية؟

المعيار الدولي لا يعني مجرد أن الأموال دخلت إلى حساب مصرفي رسمي. بل يعني وجود سلسلة موثقة وقابلة للمراجعة تبدأ من قياس الإنتاج وتنتهي بتسجيل الإيراد العام.

وهنا تأتي أهمية تطبيق مبادئ المتعلقة بدقة بيانات الإنتاج والصادرات والإيرادات، وهي نقطة أشار إليها صندوق النقد الدولي صراحة في توصياته الخاصة بليبيا.

وبالتالي فإن السؤال الصحيح ليس: «هل نثق في المؤسسة؟»، وإنما: هل توجد منظومة مستقلة تجعل الثقة مبنية على بيانات قابلة للتحقق، بدل أن تكون مبنية على الثقة الشخصية؟

التدريب والمهام الرسمية

في مجال التدريب، توجد مؤشرات إيجابية معلنة ، فقد أعلنت المؤسسة عن خطط تدريبية تتضمن المتابعة الإلكترونية وقياس أثر التدريب، كما نفذت برامج بالتعاون مع شركات دولية ، وأكدت في 2025 أهمية توفير فرص تدريب عادلة للعاملين ، كما أعلنت المؤسسة عن اهتمامها بتطوير المراجعة الداخلية والامتثال والحصول على الشهادات المهنية العالمية.

لكن معيار الشفافية في هذا الملف يحتاج أيضًا إلى نشر أسس اختيار المستفيدين من التدريب الخارجي، وتكلفة البرامج، وعدد المستفيدين، والجهة المنفذة، ونتائج التدريب، وأسس اختيار الموظفين للمهام الرسمية والسفر والانتداب. وهل مراكز التدريب تتمتع بالمصداقية ، ومن يملك تلك المراكز وتبعيتها ؟؟
فالتدريب ليس امتيازًا إداريًا، والمهام الرسمية ليست بابًا للمحاباة ، كلاهما إنفاق عام يجب أن يخضع لمعايير واضحة وقابلة للمراجعة.

الشركات التابعة.. الحلقة التي تحتاج إلى مزيد من الضوء

أما الشركات المملوكة كليًا أو جزئيًا للمؤسسة، فإن الشفافية فيها يجب ألا تكون أقل من الشفافية داخل المؤسسة الأم.
فالمواطن يحتاج إلى معرفة إنتاج كل شركة، تكاليف التشغيل، برامج الصيانة، المصروفات الرأسمالية، التوقفات الإنتاجية وأسبابها، عقود الخدمات، نتائج الأعمال، ونسب المشاركة في الشركات المشتركة.

ولا يكفي الإعلان عن زيادة الإنتاج أو تنفيذ مشروع صيانة؛ المطلوب أن يستطيع المختص مقارنة التكلفة بالنتيجة، ومعرفة ما إذا كانت الأموال التي أنفقت على الصيانة أدت بالفعل إلى رفع الجاهزية والإنتاج وإطالة عمر الأصول والاهم من ذلك تكلفة انتاج البرميل ،

وهنا تبرز أهمية التوصية التي قدمها صندوق النقد الدولي بشأن توسيع قدرة الجهات الرقابية على الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالمؤسسات والشركات المملوكة للدولة والشركات التابعة لها.

ما اود التنويه عليه ان النقد لا يعني الاتهام

المؤسسة الوطنية للنفط ليست فوق النقد، كما أنها ليست متهمة لمجرد أن المجتمع يطالبها بمزيد من الإفصاح.

والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هناك تطورًا ملحوظًا في نشر البيانات والإعلان عن الإيرادات والتدريب والمناقصات، وأن المؤسسة اتخذت خطوات في اتجاه تعزيز المراجعة الداخلية والامتثال.

لكن الإنصاف نفسه يقتضي القول إن مستوى الشفافية المطلوب من مؤسسة تدير المورد الأكبر لليبيين يجب أن يتجاوز البيانات العامة إلى شفافية قابلة للتحقق والمراجعة المستقلة.

إن الطريق إلى الثقة لا يكون بطلب المواطن أن يثق، وإنما بإعطائه الأدوات التي تجعله قادرًا على التحقق.

ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس حملة ضد مؤسسة النفط ، بل مشروع شفافية نفطي وطني يقوم على نشر العقود الأساسية، ونتائج المناقصات، وبيانات الإنتاج والتصدير، وأسعار البيع، والإيرادات المحولة، وموازنات الشركات التابعة، وتكاليف الصيانة، وبرامج التدريب والمهام الرسمية، مع إخضاع هذه البيانات لمراجعة مستقلة ومنتظمة.

فإذا تطابقت الأرقام، وظهرت العقود، واتضحت آليات البيع والشراء، وأمكن تتبع الدينار والدولار من البئر إلى الخزانة العامة، فلن يكون النقد حينها تشكيكًا في المؤسسة، بل سيكون جزءًا من حمايتها.

فالشفافية ليست إدانة للإدارة، والرقابة ليست عداءً للمؤسسة؛ بل إن أفضل إدارة هي التي لا تخشى أن تكون أرقامها وعقودها وقراراتها وفق القوانين والتشريعات.

مشاركة الخبر