Skip to main content
"الشلوي": ليبيا من جديد على خارطة الاستثمار النفطي العالمي
|

“الشلوي”: ليبيا من جديد على خارطة الاستثمار النفطي العالمي

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً: قراءة فنية في تقرير دولي يفسر لماذا عادت الشركات الكبرى إلى قطاع النفط الليبي

من حين إلى آخر، تصدر تقارير دولية تستحق أن نتوقف عندها، ليس لأنها تحمل أخباراً جديدة فحسب، وإنما لأنها تعكس كيف ينظر العالم إلى ليبيا، وإلى قطاعها النفطي، وإلى مستقبل الاستثمار فيه.

ومن هذا المنطلق، استوقفتني الدراسة التي نشرتها منصة Discovery Alert الأسترالية، والتي تناولت جولة التراخيص الليبية الأخيرة واتفاقيات تقاسم الإنتاج الموقعة مع عدد من كبريات الشركات العالمية، وقدمت قراءة استثمارية متعمقة لما وصفته بأنه “عودة ليبيا إلى خريطة الاستثمار النفطي العالمي” بعد انقطاع دام قرابة ثمانية عشر عاماً.

ورغم أن التقرير موجّه بالدرجة الأولى إلى المستثمرين الدوليين، إلا أنني أرى أنه يستحق القراءة والنقاش من قبل صانع القرار، والمهتمين بالشأن الاقتصادي، بل وحتى الرأي العام، لأنه يوضح كيف تُقيّم المؤسسات الاستثمارية الدولية القطاع النفطي الليبي بعيداً عن الخطاب الإعلامي والسياسي.

ومن المهم الإشارة إلى أن التقرير لا يصدر عن جهة حكومية ليبية، ولا عن المؤسسة الوطنية للنفط، وإنما عن منصة متخصصة في تحليل فرص الاستثمار بقطاع الموارد الطبيعية، وهو ما يمنحه قدراً من الأهمية بوصفه قراءة خارجية مستقلة تعكس نظرة المستثمر الدولي.

أبرز ما لفت انتباهي أن التقرير لم يركز على الانقسام السياسي أو التحديات الأمنية بقدر ما ركز على حقيقة أكثر أهمية، وهي أن الشركات النفطية العالمية الكبرى ما زالت ترى في ليبيا إحدى أكثر المناطق الواعدة للاستكشاف والاستثمار، وأن حجم الفرص الجيولوجية والاقتصادية أصبح أكبر من أن تتجاهله هذه الشركات.

لقد اعتبر التقرير أن نجاح جولة التراخيص الأخيرة لم يكن مجرد طرح لعدد من القطع الاستكشافية، بل رسالة واضحة بأن ليبيا استعادت جزءاً مهماً من ثقة السوق الدولية، وهو استنتاج أراه منطقياً إذا ما أخذنا في الاعتبار أسماء الشركات التي قررت الدخول أو توسيع وجودها في السوق الليبية، مثل إيني، وريبسول، وقطر للطاقة، وشركة البترول التركية، ومجموعة MOL، وهي شركات لا تبني قراراتها على التوقعات، وإنما على دراسات اقتصادية وجيولوجية وقانونية دقيقة.

كما أشار التقرير إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط استطاعت إدارة هذه الجولة التنافسية وإبرام اتفاقياتها ضمن إطار قانوني ومؤسسي واضح، وهو أمر يستحق التقدير، لأن الحفاظ على ثقة المستثمرين في بيئة معقدة ليس مهمة سهلة. فالمؤسسة الوطنية للنفط ظلت، رغم كل التحديات، تمثل المظلة الوطنية الجامعة التي حافظت على استمرارية القطاع، وأبقت ليبيا حاضرة في أسواق الطاقة العالمية.

ومن وجهة نظري، فإن أهمية هذه الجولة لا تكمن في توقيع الاتفاقيات بحد ذاته، وإنما فيما يمكن أن ينتج عنها خلال السنوات القادمة من أعمال استكشاف، وحفر، واكتشافات جديدة، وتطوير للاحتياطيات، ورفع للطاقة الإنتاجية، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني إذا ما أُحسن استثماره وإدارته.

ومن النقاط التي أصاب فيها التقرير أيضاً تأكيده أن ليبيا ما زالت تمتلك عناصر تنافسية يصعب تكرارها؛ فهي صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، وتتميز بانخفاض تكلفة الإنتاج، وارتفاع جودة خامها، وقربها الجغرافي من الأسواق الأوروبية، إضافة إلى وجود مساحات استكشافية واسعة لم تُختبر بالكامل حتى الآن.

ومع ذلك، فإنني أرى أن النجاح الحقيقي لن يتحقق بمجرد توقيع العقود، بل يبدأ بعد توقيعها. فالمطلوب اليوم هو توفير بيئة مستقرة للاستثمار، وتسريع إجراءات تنفيذ برامج الاستكشاف، والمحافظة على استقرار المؤسسة الوطنية للنفط، واحترام العقود، وتطوير البنية التحتية، بما يضمن تحويل هذه الاتفاقيات إلى إنتاج فعلي وإيرادات مستدامة.

كما أن التقرير استخدم مصطلحات تعاقدية تتوافق مع الأدبيات الدولية، بينما يتمتع النظام التعاقدي الليبي بتاريخ طويل في اتفاقيات المشاركة في الاستكشاف والإنتاج، وهو ما يعكس تطور الأطر القانونية الليبية بما يتلاءم مع متطلبات الصناعة العالمية دون التفريط في السيادة الوطنية على الموارد الطبيعية.

وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم التي يحملها هذا التقرير ليست أن ليبيا وقعت اتفاقيات جديدة، وإنما أن العالم بدأ ينظر مجدداً إلى ليبيا باعتبارها فرصة استثمارية حقيقية في قطاع الطاقة. وهذه النظرة ينبغي أن نستثمرها نحن قبل غيرنا، وأن نحولها إلى برامج عمل، ومشروعات، واستقرار مؤسسي، واستمرار في تطوير القطاع.

إن الثروة النفطية ليست مجرد احتياطات مدفونة تحت الأرض، وإنما قيمة اقتصادية لا تتحقق إلا عندما تُدار بكفاءة، وتُستثمر بحكمة، وتُحمى بمؤسسات قوية، ورؤية وطنية بعيدة المدى.

وأخيراً، فإن مثل هذه التقارير الدولية ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها مادة إعلامية عابرة، بل باعتبارها مؤشرات تعكس كيف يرى المستثمر العالمي ليبيا اليوم. وعندما تصدر هذه الإشارات من مؤسسات متخصصة تخاطب أسواق المال والطاقة، فإنها تستحق منا القراءة والتحليل، لأنها قد تكون في كثير من الأحيان أكثر تعبيراً عن مكانة ليبيا الاستثمارية من أي خطاب داخلي.

وإذا أحسنا استثمار هذه اللحظة، فإن جولة التراخيص الحالية قد لا تكون مجرد حدث نفطي، بل بداية مرحلة جديدة تعيد ترسيخ مكانة ليبيا كأحد أهم مراكز الطاقة في أفريقيا وحوض البحر المتوسط.

مشاركة الخبر