Skip to main content
"حلمي القماطي": ضخ الدولار النقدي في ليبيا خطوة تعيد الثقة مؤقتاً.. والاستقرار مرهون بإصلاحات أعمق
|

“حلمي القماطي”: ضخ الدولار النقدي في ليبيا خطوة تعيد الثقة مؤقتاً.. والاستقرار مرهون بإصلاحات أعمق

كتب: أستاذ الاقتصاد “د. حلمي القماطي” مقالاً

نجاح المصرف المركزي في إعادة تدفق الدولار النقدي إلى ليبيا بعد سنوات من الانقطاع ليس مجرد إجراء فني عابربل خطوة تعكس استعادة أداة مهمةمن أدوات السياسة النقدية كانت غائبة عن المشهد.

نحن أمام محاولة حقيقية لإعادة تنظيم سوق الصرف عبر ضخ الدولار الكاش وهي خطوة تحمل في طياتها أبعاداً اقتصادية ونفسية في آنٍ واحد.

الدولارالنقدي هنالايمثل سيولةفقط بل يمثل ثقة فجزء كبير من أزمة السوق في ليبيا لم يكن سببه نقص العملة الأجنبية بقدر ما كان نتيجة ضعف الثقة في القنوات المصرفية والقيود المفروضة على الوصول إليها.

وبالتالي فإن توفير الدولار بشكل مباشر يسهم في تقليص الفجوة بين السوق الرسمي والموازي ويكسر أحد أهم أدوات هيمنة السوق غير الرسمي.

على المدى القصير من المتوقع أن نشهد انخفاضاً في سعر الدولار في السوق الموازي وتراجعاً في المضاربة وتحسناً نفسياً عاماً في السوق وهو ما قد ينعكس نسبياً على استقرار أسعار السلع المستوردة.

لكن وبمنهج اقتصادي علمي يجب التأكيد أن هذا الأثر يظل مؤقتاً ما لم تُعالج جذور المشكلة. فالطلب على الدولار في ليبيا ليس طلباً استهلاكياً فقط بل هو مزيج من التحوط والاكتناز والمضاربة وتمويل اقتصاد الظل وهذا النوع من الطلب لا يُعالج بالضخ النقدي وحده.

أما على المدى المتوسط فإن استمرار تدفق الدولار قد يحقق نوعاً من الاستقرار النسبي لكن في حال توقفه سيعود السوق الموازي للظهور وربما بشكل أقوى نتيجة الطلب المكبوت.

وعلى المدى الطويل يبقى العامل الحاسم هو مدى قدرة السياسات الاقتصادية على ضبط الإنفاق العام وتوحيد الميزانية وتقليص الاقتصاد غير الرسمي دون ذلك سيظل أي استقرار في سعر الصرف هشاً وقابلاً للانكسار.

فيما يتعلق بالمواطن فإن التحول من منظومة البطاقات إلى الحصول على الدولار نقداً يمثل تغييرمهماًفي السلوك الاقتصادي فالدولار الكاش يمنح مرونة أكبر في الاستخدام و يلغي الكثير من القيود والتكاليف المرتبطة بالفيزا كما أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال سيُعاد ضخه في السوق عبر البيع ما يساهم في زيادة العرض وخفض السعر.

لكن في المقابل فإن بيع الدولار لتحسين الدخل يظل حلاً مؤقتاً ولا يعالج المشكلة الأساسية المرتبطة بضعف القوة الشرائية وغياب تنوع مصادر الدخل.

المهم أن ما يحدث اليوم هو خطوة ذكية ومؤثرة لكنها تظل أداة تكتيكية وليست حلاً استراتيجياً. فهي قادرة على تهدئة السوق لكنها غير كافية بمفردها لضمان استقرار دائم.

فالدولار النقدي يمكنه أن ينظم السوق، لكن إصلاح الاقتصاد هو وحده القادر على تثبيته .

مشاركة الخبر