
| مقالات اقتصادية
“المانع”: ليبيا تستقبل المحطة البحرية لحقل البوري: تموضع استراتيجي في سوق الغاز المتوسطي
كتب المستشار “مصطفى المانع”: ليبيا تستقبل المحطة البحرية لحقل البوري: تموضع استراتيجي في سوق الغاز المتوسطي
في سياق دولي يتسم بتصاعد المنافسة على موارد الطاقة، وتزايد حساسية سلاسل الإمداد—لا سيما في ضوء التوترات المرتبطة بممرات حيوية مثل مضيق هرمز—يمثل اقتراب وصول وتشغيل محطة بحرية متقدمة مخصصة لحقل البوري، قادمة من ميناء مارينا دي رافينا الإيطالي، خطوة نوعية في مسار إعادة هيكلة قطاع الطاقة الليبي. ويأتي هذا التطور ضمن جهود حكومة الوحدة الوطنية لتحديث البنية التحتية، وتعظيم القيمة الاقتصادية للموارد الطبيعية، وترسيخ موقع ليبيا كمورد موثوق في أسواق الغاز الإقليمية.
القيمة الاقتصادية: من زيادة الإنتاج إلى تحسين كفاءة الإنفاق
تشير التقديرات الأولية إلى أن إدخال هذه المحطة قد يسهم في رفع القدرة الإنتاجية للغاز في حقل البوري بنسبة تتراوح بين 15% و25% خلال المراحل الأولى، مع إمكانية تحقيق زيادات تدريجية مع استقرار العمليات. ووفق نطاقات سعرية متحفظة، فإن كل زيادة بنحو 100 مليون قدم مكعب يوميًا قد تترجم إلى إيرادات سنوية إضافية تتراوح ما بين 400 و 700 مليون دولار، تبعًا لتقلبات الأسواق العالمية.
غير أن الأثر الأهم لا يقتصر على جانب الإيرادات، بل يمتد إلى هيكل الإنفاق العام. فمن خلال توجيه الغاز المنتج محليًا لتغذية محطات توليد الكهرباء، يمكن تقليص الاعتماد على الوقود السائل مرتفع التكلفة—مثل الديزل وزيت الوقود الثقيل—ما يؤدي إلى خفض ملموس في فاتورة المحروقات، وتحسين كفاءة إنتاج الكهرباء. كما يُسهم هذا التحول في تعزيز استقرار الشبكة الكهربائية، وتقليل الاختناقات خلال فترات الذروة، بما يدعم النشاط الاقتصادي ويحد من الضغوط التشغيلية على الدولة.

البعد البيئي: نحو الحرق الصفري وتعظيم قيمة المورد
يرتبط تشغيل المحطة أيضًا بتوجهات حديثة تستهدف الوصول إلى “الحرق الصفري” للغاز المصاحب، من خلال التقاط الغاز الذي كان يُهدر بالحرق وتحويله إلى استخدامات إنتاجية. ويعكس هذا التوجه تحولًا نوعيًا في إدارة الموارد، حيث يجمع بين تعظيم العائد الاقتصادي وتقليل الأثر البيئي، عبر خفض الانبعاثات الكربونية ومواءمة القطاع مع المعايير الدولية للاستدامة.
وفي هذا الإطار، يكتسب التعاون الدولي—بما في ذلك برامج الدعم الفني والمؤسسي مع جهات دولية—أهمية خاصة في تسريع تبني التقنيات اللازمة، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية في إدارة هذا التحول،
وفي أبريل الماضي انضمت ليبيا إلى مبادرة Zero Routine Flaring by 2030 Initiative التي يقودها البنك الدولي، والهادفة إلى القضاء على الحرق الروتيني للغاز بحلول عام 2030.
البعد الأوروبي: فرصة جيو-اقتصادية في سوق متعطش للتنويع
يتزامن هذا التطور مع تزايد الطلب الأوروبي على مصادر غاز بديلة وأكثر موثوقية، في ظل مساعي الاتحاد الأوروبي لتنويع الإمدادات وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية. وتتمتع ليبيا بميزة تنافسية واضحة، تتمثل في قربها الجغرافي من الأسواق الأوروبية، إضافة إلى بنية تحتية قائمة مثل خط “غرين ستريم”، ما يتيح لها لعب دور أكثر فاعلية في منظومة الطاقة المتوسطية.
الشراكات الدولية: إعادة تموضع في خريطة الاستثمار الطاقي
يعكس المشروع تعميق الشراكات مع فاعلين دوليين، في مقدمتهم إيني، إلى جانب شركات من الولايات المتحدة وأوروبا ومنطقة الشرق الأوسط. وتشير التقديرات إلى أن قيمة الاستثمارات المرتبطة بمشاريع التطوير والاستكشاف الأخيرة تتجاوز 20 مليار دولار، ما يعكس عودة تدريجية لثقة المستثمرين في القطاع.
كما تستهدف ليبيا رفع إنتاجها إلى ما يتجاوز 1.6 مليون برميل نفط مكافئ يوميًا في المدى القريب، مع رؤية للوصول إلى مستويات أعلى على المدى الطويل، مع التركيز على تطوير الحقول البحرية ورفع كفاءة العمليات التشغيلية. وتسهم هذه الشراكات في نقل التكنولوجيا، وبناء القدرات الوطنية، وتحسين معايير الحوكمة التشغيلية.
نماذج التمويل: نحو أدوات أكثر مرونة واستدامة
ضمن التحولات اللافتة، يتجه قطاع الطاقة الليبي نحو تبني نماذج تمويل أكثر تنوعًا، تشمل صيغًا استثمارية وشراكات إنتاجية، إضافة إلى أدوات تمويل قائمة على الأصول. ويهدف هذا التوجه إلى تقليل الاعتماد على التمويل التقليدي، وتعزيز قدرة القطاع على جذب رؤوس الأموال، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية على الاستثمارات في الطاقة.
خاتمة: نافذة استراتيجية مشروطة بالإصلاح
تمثل المحطة البحرية لحقل البوري نقطة ارتكاز في إعادة تموضع ليبيا ضمن خريطة الطاقة الإقليمية، ليس فقط من حيث زيادة الإنتاج، بل من خلال تحسين كفاءة استخدام الموارد، وخفض الهدر، وتعزيز التكامل مع الأسواق الأوروبية.
غير أن تعظيم الاستفادة من هذه الفرصة يظل مرهونًا باستمرار الإصلاحات المؤسسية التي انطلقت، وتعزيز الشفافية، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة، ومراجعة صيغ الشراكة في قطاع الطاقة. ففي ظل هذه الشروط، يمكن لليبيا أن تتحول من مورد تقليدي للطاقة إلى لاعب استراتيجي مؤثر في معادلة الغاز المتوسطي.
الكاتب هو المستشار مصطفى المانع هو محامٍ ليبي وخبير قانوني واقتصادي منذ أكثر من 24 عامًا، عمل مع عدد من المؤسسات الاستثمارية والصناديق السيادية والبنوك، في عدد من دول العالم بالإضافة إلى ليبيا، ويعمل كخبير لمراكز بحثية دولية، وعمل لسنوات كمستشار لمحافظ مصرف ليبيا المركزي، وترأس وكان عضواً بعدد من الفرق التنفيذية بالمصرف المركزي، كلجنة سعر الصرف وفريق الخطة الاحترازية، وفريق التدقيق، وفريق استعادة الثقة، وفريق سايبر لخلق بيئة تشريعية للتحول الرقمي، كما أنه عضو بمجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار والمصرف الليبي الخارجي، كما مثّل ليبيا في اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كما يرأس الفريق التنفيذي لمبادرات رئيس الوزراء والمشروعات الاستراتيجية، كما عمل خبيراً ومحاضراً مع نقابة المحامين الأمريكية، وعضواً معتمداً برابطة محامي أوروبا، كما أنه عضو المجلس الليبي الامريكي للتجارة والاستثمار، وله عدد من البحوث والمقالات المنشورة بالصحف العربية والأمريكية والأوروبية، وله آراءه الجريئة في ملفات التحول الاقتصادي والمالي.



