كتب الخبير الاقتصادي “محمد الصافي”: المركزي …. الإنفاق الموحد… والمصالحة الاقتصادية
لطالما كان يرى الكثيرون الحل لمشاكل ليبيا بطريقة خطية، حيث إن هناك تسلسلاً للإصلاح يبدأ أولاً بحل المشكلة السياسية، ثم المصالحة الاجتماعية، ثم يأتي متأخراً الإصلاح الاقتصادي.
هذا النمط الخطي لإخراج ليبيا من المستنقع الحالي دام (ولا زال) منذ فترة طويلة، ولكن بدون نتيجة تُذكر، حيث إن الانقسام السياسي زاد، بل بالعكس أصبح واقعاً له مؤسساته، ووجدت الدولة توازناً معيناً للتعايش معه (برغم عدم استدامته)، بينما المصالحة الاجتماعية – التي أُسس بسببها المجلس الرئاسي – لم يحدث فيها أي تقدم.
هنا، ولأول مرة، تنعكس محاولات الصورة الخطية للإصلاح بعد فشل الانتخابات في عام 2021، وقيام ثقافة “حتحات على ما فات” بإخماد أو تجميد الحاجة الملحة للمصالحة الوطنية على الأقل الآن…
في هذه الظروف، استغل المركزي الفرصة بدعم من الأمريكان للعب دور الوسيط وتقديم “المصالحة الاقتصادية” على المصالحة السياسية والاجتماعية (بعد تعثر الاثنين)، حيث نجح في إقناع أطراف العملية السياسية بالجلوس على طاولة الحوار والحديث عن الميزانية.
أجزم أن المركزي نجح في إقناع الأطراف المختلفة أن هناك حاجة ملحة لضبط المالية، وإلا فإن التضخم والفقر سيكونان أكبر عدو لطموحاتهم السياسية.
تغيير القيادة في المركزي وعمله كمؤسسة لها مجلس إدارة متكامل بعد فترة طويلة من الـ (one man show) أعطاه الإمكانية للعب دور الوسيط بين الجميع، وأصبح وكأنه المجلس الرئاسي للدولة في الأمور الاقتصادية.
ولكن، هل ينجح المركزي في المصالحة الاقتصادية؟
هنا أعرض 3 أسباب للتفاؤل و3 أسباب للحذر:
أسباب التفاؤل:
1- لأول مرة منذ الانقسام في ليبيا تُعطى الميزانية هذا القدر من الاهتمام المحلي والدولي، حيث كانت الانتخابات أو أبطال الحروب هي أكبر الأولويات… أعتقد أن هناك قناعة لدى المؤثرين في المشهد أن الوضع الاقتصادي الحالي يعتبر قنبلة قد تنفجر في وجوههم في أي لحظة، ويجب إخمادها أو توقيفها ولو مؤقتاً… هذه القناعة (لو صحت) تعطي مؤشراً جيداً على تلاقي مصلحة المؤثرين في المشهد مع المصلحة الاقتصادية.
2- مع توقف الصراع المسلح والاستقرار النسبي على مستوى الأمن، فإن المشاكل الاقتصادية هي الشغل الشاغل للمواطن الليبي حالياً، وأقول دائماً إن التضخم سيكون أكبر مشاكل ليبيا في السنوات الخمس القادمة – السياسيون حريصون للبقاء في المشهد ويستمعون لنبض الشارع جيداً، وأصبحت الأصوات القادمة من الشارع تعلو كثيراً حول أهمية كبح التضخم ومكافحة الفساد… أرى أن السياسيين التقطوا الإشارات من الشارع، وكلٌ يتنافس لعرض بضاعته على الناس.
3- وقوع السياسيين في فخ ما يسمى بتكلفة المشهد (audience cost)، حيث إنه بالتركيز على هذه المصالحة الاقتصادية أصبح واضحاً وجلياً لدى الناس أن سبب الدولار ليس التجار وليس الدولار النقدي، وإنما الإنفاق المتورم والقنبلة المالية – إذا فشلوا في هذا الاتفاق فستكون لديهم تكلفة كبيرة أمام الجمهور.
أسباب الحذر:
- الكلام فقط على الإنفاق ولكن جانب الإيراد غائب عن الحديث؟ من أين ستمول هذه النفقات، وخصوصاً أن إيرادات النفط أصبحت “يا دوبك تسد”… إذا وقعوا في فخ الدين العام تحت شعار الإنفاق الموحد، فهذا سيجعل هذه المصالحة الاقتصادية بدون تأثير إيجابي.
- ما هي الضمانات لتوحيد الإنفاق؟ هل ستكون بقانون ميزانية أو باتفاق بين الأطراف؟ هل توجد أي قيود أو عواقب في حالة الإخلال بالاتفاق أو الضغط على المركزي؟ ومن سيراقب هذه الضمانات؟ كلها أسئلة لم تخرج لها إجابة بعد.
- لماذا كل هذه السرية حول الاتفاق؟ أليس الأصح أن يخرج بيان يوضح للناس البنود والإطار العام للاتفاق؟ السرية في أشياء مثل هذه تثير الريبة أكثر من الطمأنينة.
القنبلة المالية تكبر مع الوقت، وقرب انفجارها لا يمكن توقعه، ولكن الفتيل قصر والسياسيون يدركون هذا… المصالحة الاقتصادية خطوة مهمة لإبطال هذه القنبلة، ولكن يجب تحصينها من الآتي:
- تحكم أطراف المعادلة السياسية في خيوط المالية بالكامل.
- استخدامها كذريعة لتمديد الوضع الراهن.
- استخدامها كحجة لاستنزاف أصول الدولة من الاحتياطيات والاستثمارات.
توحيد الإنفاق بدون ضبطه ليس إصلاحاً اقتصادياً….. المصالحة الاقتصادية الحقيقية هي بتوحيد الإنفاق وترشيده






