Skip to main content
"الشلوي": المليار الذي يحمي المليارات.. تمويل المؤسسة الوطنية للنفط ليس إنفاقاً استهلاكياً بل حماية لإيرادات ليبيا
|

“الشلوي”: المليار الذي يحمي المليارات.. تمويل المؤسسة الوطنية للنفط ليس إنفاقاً استهلاكياً بل حماية لإيرادات ليبيا

كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً

يمثل الإفصاح الصادر عن المؤسسة الوطنية للنفط بشأن أوجه استخدام المبلغ المسيّل من مخصصاتها المعتمدة لسنة 2026 خطوة مهمة تستحق القراءة والتقدير، ليس لأنها تعرض مجموعة من الأرقام فحسب، بل لأنها تربط كل مبلغ بالغرض الذي خُصص له، وتحدد الجهات المرتبطة به، وتوضح للرأي العام جانباً من الالتزامات المالية والفنية اللازمة للمحافظة على إنتاج النفط واستمرارية عملياته.

ومن واقع خبرة امتدت قرابة أربعة عقود في القطاع النفطي، ومتابعة مستمرة لشؤونه الفنية والاقتصادية، أرى أن هذا الإفصاح ينبغي ألا يُقرأ باعتباره بياناً محاسبياً مجرداً، بل بوصفه مؤشراً على حقيقة أساسية: قطاع النفط لا يستطيع حماية إنتاجه بالاعتمادات الورقية وحدها، وإنما يحتاج إلى تمويل فعلي ومنتظم وفي التوقيت المناسب.

فبحسب ما أعلنته المؤسسة، بلغ إجمالي المبلغ المعتمد لها خلال سنة 2026 نحو 13.6 مليار دينار، بينما لم يُسيّل منه سوى مليار دينار واحد، يعادل قرابة 157 مليون دولار، أي ما نسبته 7.35% فقط من إجمالي المبلغ المعتمد.

وبقراءة الرقم من زاوية أخرى، فإن نحو 12.6 مليار دينار، أي 92.65% من المخصصات المعتمدة، لم تُسيّل بعد.

وهنا يكمن جوهر المسألة: الاعتماد المالي لا يتحول إلى آبار منتجة، ولا إلى معدات عاملة، ولا إلى خطوط أنابيب آمنة، ولا إلى منشآت قادرة على الاستمرار، ما لم يتحول فعلياً إلى تدفقات نقدية تغطي الالتزامات والمشروعات وأعمال الصيانة والتشغيل.

أين ذهب المليار المسيّل؟

يكشف تفصيل المبالغ أن كامل القيمة المعادلة بالدولار، والبالغة 157 مليون دولار، وُجهت إلى التزامات محددة ومرتبطة بأصل النشاط النفطي، ولم تذهب إلى مصروفات هامشية أو إنفاق بعيد عن اختصاص المؤسسة.

فقد خُصص مبلغ 119 مليون دولار للتخارج واسترجاع ملكية مصفاة رأس لانوف، وهو ما يمثل نحو 75.8% من إجمالي المبلغ المسيّل.

وهذا الاستخدام لا يمكن تصنيفه باعتباره إنفاقاً تشغيلياً عادياً، بل هو خطوة تتصل باستعادة ملكية أصل صناعي واستراتيجي مهم للدولة الليبية. فمصفاة رأس لانوف ليست مجرد منشأة ضمن قائمة أصول القطاع، وإنما تمثل مكوناً مهماً من البنية التحتية للتكرير والصناعات النفطية، واسترجاع ملكيتها يعزز السيطرة الوطنية على أصل له قيمة اقتصادية وصناعية طويلة الأجل.

كما خُصص مبلغ 16.5 مليون دولار لسداد جزء من التزامات مصفاة الجنوب لصالح شركة هني ويل الأمريكية، وهي من الشركات الدولية المعروفة في مجالات تقنيات المصافي، وأنظمة التحكم والأتمتة الصناعية، والحلول الهندسية المرتبطة بتشغيل المنشآت النفطية.

ووُجه مبلغ 7 ملايين دولار لسداد جزء من الالتزامات والديون المرتبطة بشركة SLB، المعروفة سابقاً بشلمبرجير، إضافة إلى 4 ملايين دولار لالتزامات مرتبطة بشركة بيكر هيوز، و7 ملايين دولار لتسوية جزء من ديون شركات خدمات نفطية أمريكية أخرى وردت في الإفصاح، من بينها شركات لها حضور معروف في مجالات الحفر والخدمات الفنية والمعدات والتقنيات النفطية.

كما خُصص مبلغ 3.5 ملايين دولار لسداد جزء من ديون شركة طيران النفط تجاه بعض الشركات المشغلة.

وبجمع هذه القيم، نجد أنها تساوي كامل المبلغ المعلن، أي 157 مليون دولار، بما يعكس مستوى جيداً من الإفصاح عن كيفية استخدام المبلغ المسيّل.

شركات معتبرة ترتبط مباشرة بالإنتاج

قد ينظر غير المتخصص إلى أسماء الشركات الواردة في الإفصاح باعتبارها مجرد جهات تجارية تتلقى مستحقات مالية، غير أن القراءة الفنية تكشف أهمية مختلفة تماماً.

فشركات مثل SLB وبيكر هيوز وهني ويل وهاليبورتن وغيرها من شركات الخدمات النفطية العالمية تمثل جزءاً أساسياً من منظومة الصناعة النفطية الحديثة. فهي تقدم تقنيات وخدمات مرتبطة بحفر الآبار وصيانتها، والخدمات الجوفية، والرفع الاصطناعي، وتقييم المكامن، وأنظمة التحكم، والمعدات الدوارة، وتشغيل المنشآت، ومعالجة الأعطال وتحسين كفاءة الإنتاج.

وعندما تتراكم المستحقات المالية لهذه الشركات، فإن التأثير لا يبقى محصوراً في الجانب المحاسبي، بل قد يمتد إلى تأخر تنفيذ البرامج، وتراجع قدرة الشركات على توفير المعدات وقطع الغيار والكوادر الفنية، وارتفاع تكلفة العقود المستقبلية، وتشدد الموردين في شروط الدفع والضمانات.

لذلك فإن تسوية هذه الالتزامات لا ينبغي فهمها باعتبارها مجرد سداد لديون سابقة، بل باعتبارها جزءاً من حماية استمرارية العمليات، والمحافظة على العلاقة الائتمانية والتعاقدية مع الشركات التي يحتاج إليها القطاع.

أما شركة طيران النفط، فإن دورها يتجاوز مفهوم النقل الاعتيادي، نظراً إلى انتشار الحقول والمنشآت النفطية عبر مساحات جغرافية واسعة ومناطق صحراوية ونائية، واعتماد عمليات التشغيل على سرعة نقل الأطقم الفنية وقطع الغيار والمعدات بين المواقع المختلفة.

ماذا بقي بعد استرجاع مصفاة رأس لانوف؟

من المهم ملاحظة أن مبلغ استرجاع ملكية مصفاة رأس لانوف استحوذ وحده على 119 مليون دولار من أصل 157 مليوناً.

وهذا يعني أن ما تبقى لتغطية بقية الالتزامات الفنية والخدمية لم يتجاوز 38 مليون دولار فقط.

ومن ثم، فإن وصف المليار دينار المسيّل بأنه تمويل واسع لاحتياجات المؤسسة لا يعكس الواقع بدقة؛ لأن الجزء الأكبر منه وُجه إلى عملية استراتيجية محددة، بينما جرى توزيع المبلغ المتبقي على مجموعة من الالتزامات المتراكمة تجاه شركات ومشروعات مختلفة.

وتزداد أهمية هذه الملاحظة في ضوء ما أعلنته المؤسسة من أنه لم يتم تسييل أي ميزانية تشغيلية لها عن سنة 2025.

وهذا يعني أن القطاع دخل سنة 2026 وهو يحمل معه التزامات تشغيلية ومالية من العام السابق، بينما لم يحصل في بداية السنة الجديدة إلا على نسبة محدودة من المبلغ المعتمد له.

النفط لا يحافظ على إنتاجه بنفسه

هناك اعتقاد شائع بأن الحقول النفطية، ما دامت قد بدأت الإنتاج، يمكنها الاستمرار بالمستويات نفسها بصورة تلقائية. وهذا الاعتقاد لا ينسجم مع طبيعة الصناعة النفطية.

فالآبار تتعرض لانخفاض طبيعي في معدلات إنتاجها، والمعدات تحتاج إلى صيانة دورية، والخزانات وخطوط الأنابيب تحتاج إلى الفحص والمعالجة والحماية من التآكل، والمنشآت تحتاج إلى قطع غيار ومواد كيميائية وأنظمة سلامة وتحكم، كما تحتاج الحقول إلى عمليات إصلاح للآبار وإعادة استكمال وحفر آبار تعويضية للحفاظ على مستويات الإنتاج.

وتأجيل هذه الأعمال لا يعني توفير الأموال، بل قد يؤدي إلى خسائر إنتاجية وتكاليف مستقبلية تفوق بكثير قيمة التمويل الذي جرى تأخيره.

وقد يتطلب علاج عطل فني أو إصلاح بئر أو استبدال جزء من المعدات مبلغاً محدوداً نسبياً، لكن عدم توفيره في الوقت المناسب قد يتسبب في توقف إنتاج يساوي ملايين الدولارات خلال فترة قصيرة.

لذلك فإن تمويل القطاع النفطي يجب ألا يُنظر إليه باعتباره باباً من أبواب الإنفاق الحكومي التقليدي، بل باعتباره استثماراً مباشراً في حماية المصدر الرئيسي للإيرادات العامة والعملة الأجنبية في ليبيا.

المليار الذي يحمي المليارات

عندما تخصص الدولة أموالاً لصيانة الآبار والمنشآت وسداد مستحقات شركات الخدمات واستكمال المشروعات، فإنها لا تنفق المال دون مقابل، بل تحمي قدرتها على إنتاج النفط وتصديره وتحقيق الإيرادات.

ولهذا يمكن القول إن المليار دينار المسيّل ليس مجرد مبلغ صُرف، بل هو مبلغ يفترض أن يسهم في حماية تدفقات مالية أكبر بكثير.

فالفرق بين التمويل المنتظم والتمويل المتأخر قد يكون هو الفرق بين حقل يعمل بطاقته المتاحة، وحقل يتراجع إنتاجه بسبب نقص الصيانة والمعدات والخدمات.

ولا توجد صناعة نفطية في العالم يمكنها المحافظة على قدرتها الإنتاجية دون ميزانيات تشغيلية واستثمارية مستقرة، وبرامج صيانة دورية، وعقود خدمات، ومخزون مناسب من قطع الغيار والمواد، وتدفقات مالية تتوافق مع الالتزامات التعاقدية.

المؤسسة تنتج النفط… لكنها لا تقرر كيف تُنفق عائداته

من أكثر المسائل التي تحتاج إلى توضيح في النقاش العام الفصل بين مسؤولية المؤسسة الوطنية للنفط ومسؤولية الجهات التي تتولى إدارة المالية العامة.

المؤسسة وشركاتها مسؤولة عن استكشاف النفط والغاز وإنتاجهما، وتشغيل الحقول والمنشآت، ونقل الخام، وإدارة الموانئ والتصدير، والمحافظة على الأصول والإنتاج وفق الإمكانات والموارد المتاحة.

أما إدارة الإيرادات النفطية بعد تحصيلها، وتحديد أبواب الموازنة، وتوزيع الإنفاق العام، وتمويل الرواتب والدعم والتنمية والخدمات، فهي مسؤولية أصيلة للسلطات التنفيذية والمالية والنقدية والرقابية في الدولة.

ولهذا لا يصح تحميل المؤسسة الوطنية للنفط مسؤولية ضعف انعكاس الإيرادات النفطية على مستوى معيشة المواطن، أو تعثر مشروعات التنمية، أو ارتفاع الإنفاق العام، أو سوء توزيع الموارد.

فالمؤسسة تنتج البرميل وتصدره وتورد عائداته وفق الآليات القانونية والمالية المعتمدة، لكنها لا تقرر بعد ذلك كيفية إنفاق تلك العوائد أو توزيعها.

وهذا لا يعني إعفاء المؤسسة من الرقابة أو التقييم، بل يعني وضع المسؤولية في مكانها الصحيح، وعدم الخلط بين إدارة النشاط النفطي وإدارة المال العام الناتج عنه.

وفي تقديري، فإن المشكلة الأعمق في ليبيا ليست مشكلة فنية داخل القطاع النفطي بقدر ما هي مشكلة في حوكمة عوائد النفط، وضبط الإنفاق العام، وتوحيد الموازنة، وتحديد الأولويات، وتحويل الإيرادات إلى تنمية وخدمات وفرص عمل وقيمة مستدامة للمواطن.

الدعم لا يعني شيكاً مفتوحاً

دعم المؤسسة الوطنية للنفط وتمويلها لا يعني منحها أموالاً دون رقابة أو متابعة، بل يجب أن يقوم على معادلة واضحة ومتوازنة:

تمويل منتظم، وإفصاح مستمر، ورقابة مهنية، وربط الإنفاق بالأداء والإنتاج ونسب الإنجاز.

ومن المهم أن يستمر نهج الإفصاح عن المبالغ المعتمدة والمسيّلة وأوجه استخدامها والجهات المرتبطة بها، وأن يتطور لاحقاً ليشمل بيانات دورية عن المشروعات، ونسب التنفيذ، والأثر المتوقع على الإنتاج، والنتائج التي تحققت فعلياً.

وفي المقابل، يجب ألا تتحول المطالبة بالشفافية إلى مبرر لتأخير التمويل؛ لأن الشفافية لا يمكن أن تحل محل السيولة، والتقارير لا تستطيع تشغيل الحقول أو شراء قطع الغيار أو تنفيذ الصيانة.

فعندما تفصح المؤسسة عن أوجه استخدام الأموال، ينبغي أن يقابل هذا الإفصاح التزام من الدولة بتوفير ما تم اعتماده وفق جداول زمنية واضحة، ما دام الإنفاق مرتبطاً بأهداف فنية وإنتاجية قابلة للمتابعة والتقييم.

خلاصة القراءة

يفيد الإفصاح الأخير للمؤسسة الوطنية للنفط بأن المبلغ المسيّل لم يوجه إلى نفقات مجهولة أو أنشطة بعيدة عن طبيعة القطاع، بل خُصص لاسترجاع أصل صناعي مهم، ودعم مشروع مصفاة الجنوب، وتسوية أجزاء من التزامات مرتبطة بشركات دولية وفنية معتبرة، إضافة إلى التزامات تشغيلية ضرورية.

كما يوضح أن المؤسسة لم تحصل إلا على 7.35% من إجمالي القيمة المعتمدة لها، في حين ما زال 92.65% من المخصصات غير مسيّل، بالتزامن مع عدم تسييل أي ميزانية تشغيلية لها عن عام 2025.

إذا أرادت الدولة الليبية المحافظة على إنتاج النفط وزيادته، وضمان استمرار تدفق الإيرادات، فعليها أن تتعامل مع تمويل المؤسسة باعتباره استثماراً في أصل الدولة المنتج، لا مجرد إنفاق يمكن تأجيله دون تكلفة.

فالنفط لا ينتج بالتصريحات، والحقول لا تُصان بالاعتمادات غير المسيّلة، والشركات الفنية لا تستطيع الاستمرار في تقديم خدماتها مع تراكم مستحقاتها.

أما السؤال المشروع عن مصير عوائد النفط ومدى انعكاسها على حياة المواطن، فيجب أن يوجه إلى منظومة إدارة المال العام والإنفاق والتنمية، لا إلى المؤسسة التي تتولى إنتاج الثروة وتصديرها.

إن المليار المسيّل قد يبدو رقماً كبيراً، لكنه في واقع صناعة النفط يمثل تمويلاً محدوداً لحماية قطاع يدر على الدولة مليارات الدولارات. ومن هنا فإن دعم المؤسسة وتمويلها المنتظم، مع استمرار الشفافية والإفصاح والرقابة، ليس خياراً إدارياً، بل ضرورة وطنية إذا أرادت ليبيا أن تنعم فعلاً بخيرات نفطها.

مشاركة الخبر