كتب الخبير النفطي منصف الشلوي مقالاً، قال خلاله:
وقفة مهنية مع ما طرحه الإعلامي المتميز أحمد السنوسي.. تابعت باهتمام مداخلة الصديق العزيز والإعلامي المتميز الأستاذ أحمد السنوسي، وهو إعلامي أعرفه منذ ما يقارب عشر سنوات، وأكن له كل التقدير والاحترام، لما عُرف عنه من اهتمام بالشأن العام وحرصه على إثارة القضايا التي تمس المواطن الليبي ولا سيما الاقتصاديه منها .
ولأنني أعرفه جيداً، وأعرف أنه يطرح ما يراه من منطلق حرصه على الوطن، فقد رأيت أن أكتب هذه السطور بروح الصداقة والاحترام، لا بقصد الرد على شخصه، وإنما للمساهمة في توضيح بعض الجوانب الفنية المتعلقة بقطاع النفط، وهو القطاع الذي تشرفت بالعمل فيه لما يقارب أربعة عقود، وعاصرت كثيراً من مراحله وتحدياته، وما تحقق فيه من نجاحات وما واجهه من إخفاقات.
لقد اعتدت في جميع مقالاتي السابقة أن أنطلق من مبدأ واحد لا أحيد عنه، وهو أن الحقيقة يجب أن تكون فوق الأشخاص، وأن المصلحة الوطنية يجب أن تسبق كل اعتبار، فلا أكتب دفاعاً عن مسؤول، ولا انتقاداً لمجرد الانتقاد، وإنما أكتب بما يمليه عليّ ضميري المهني وخبرتي المتواضعة، إيماناً مني بأن توعية الرأي العام مسؤولية مشتركة بين الإعلام والخبرة الفنية.
ومن هذا المنطلق، أود التوقف عند بعض النقاط التي وردت في المداخلة.
أولاً: هل هناك تضارب في أرقام الإنتاج؟
من الناحية الفنية، لا أرى أن الأمر يمثل تضارباً بقدر ما هو اختلاف بين مؤشرات إنتاجية متعددة.
ففي الصناعة النفطية توجد أرقام تعبر عن الإنتاج الفعلي في يوم معين، وأخرى تمثل متوسط الإنتاج خلال شهر أو ربع سنة أو سنة كاملة، كما توجد الطاقة الإنتاجية المتاحة التي تختلف بدورها عن الإنتاج الفعلي.
ومن الطبيعي أن تتغير كميات الإنتاج من يوم إلى آخر نتيجة أعمال الصيانة الدورية، أو الاختبارات التشغيلية، أو معدلات الضخ، أو الظروف الفنية واللوجستية التي ترافق تشغيل الحقول والموانئ.
ولهذا فإن الإعلان عن إنتاج يقترب من 1.49 مليون برميل يومياً في يوم معين، ثم الإعلان عن متوسط إنتاج أقل بقليل خلال فترة زمنية أخرى، لا يعد تناقضاً، بل يعكس طبيعة صناعة النفط التي لا تعمل بأرقام جامدة.
ثانياً: هل تُنسب زيادة الإنتاج إلى جهة بعينها؟
قطاع النفط بطبيعته قطاع مؤسسات، وهذه حقيقة لا يختلف حولها اثنان.
لكن في الوقت نفسه، فإن رفع الإنتاج لا يتحقق بجهود المؤسسة الوطنية للنفط وحدها، كما لا يتحقق بقرار سياسي منفرد، وإنما هو حصيلة منظومة متكاملة تضم المؤسسة الوطنية للنفط، والشركات التابعة، والشركاء الأجانب، والعاملين في الحقول، والجهات الأمنية، والجهات التنفيذية التي توفر التمويل وتذلل العقبات.
ومن هنا، فإن الإنصاف يقتضي ألا ننسب النجاح إلى شخص واحد، كما لا يجوز أيضاً أن نتجاهل الجهود التي أسهمت في إعادة تشغيل الحقول، ورفع القوة القاهرة، وتأمين الميزانيات اللازمة للصيانة والتطوير، وهي عوامل كان لها أثر مباشر في استعادة مستويات الإنتاج.
ثالثاً: هل المقارنة بعام 2012 دقيقة؟
صحيح أن ليبيا استطاعت بعد عام 2011 أن تعود سريعاً إلى مستويات إنتاج قاربت 1.6 مليون برميل يومياً، لكن تلك العودة جاءت في ظروف مختلفة تماماً.
فالحقول حينها كانت قد خرجت للتو من فترة توقف قصيرة نسبياً، وكانت أغلب مرافق الإنتاج والبنية التحتية لا تزال تحتفظ بجاهزيتها الفنية.
أما السنوات التي أعقبت ذلك، فقد شهدت إغلاقات متكررة للموانئ والحقول، وإعلان حالة القوة القاهرة في أكثر من مناسبة، واعتداءات على البنية التحتية، وتراجعاً في الاستثمارات، وتأخر مشاريع التطوير والاستكشاف، إضافة إلى الانقسام المؤسسي والمالي الذي أثر في القطاع لسنوات طويلة.
ولهذا فإن الوصول اليوم إلى مستويات إنتاج تقترب من مليون ونصف المليون برميل يومياً، بعد كل تلك التحديات، يمثل مؤشراً إيجابياً يستحق القراءة الموضوعية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الطريق لا يزال طويلاً للوصول إلى الطاقات الإنتاجية المستهدفة.
رابعاً: ماذا عن الحديث عن ثلاثة ملايين برميل يومياً؟
في تقديري، لا ينبغي النظر إلى هذا الرقم باعتباره وعداً قريب التنفيذ، وإنما باعتباره هدفاً استراتيجياً بعيد المدى.
فالوصول إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً يتطلب اكتشافات جديدة، وتطوير الحقول القائمة، واستثمارات قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، وتحديث البنية التحتية، واستقراراً سياسياً وأمنياً وتشريعياً، فضلاً عن توفير بيئة جاذبة للاستثمار.
وهذه ليست أمنيات، وإنما متطلبات معروفة في صناعة النفط على مستوى العالم، حيث تضع جميع الشركات الوطنية الكبرى أهدافاً مستقبلية تمتد لعقد أو عقدين من الزمن.
خامساً: هل استفاد المواطن من زيادة الإنتاج؟
أعتقد أن هذا هو السؤال الأهم، وهو سؤال مشروع يتفق عليه الجميع.
لكن من المهم أيضاً أن نفرق بين إنتاج الإيراد وإدارة الإيراد.
فالمؤسسة الوطنية للنفط مسؤولة عن الاستكشاف والإنتاج والتصدير، وتوريد الإيرادات إلى الخزانة العامة وفقاً للتشريعات النافذة.
أما كيفية توزيع تلك الإيرادات، وتمويل الخدمات، وتحسين مستوى معيشة المواطن، فهي مسؤوليات تقع على عاتق المؤسسات المالية والتنفيذية للدولة.
ومن هنا، فإن تحميل قطاع النفط وحده مسؤولية الأوضاع المعيشية لا يعكس الصورة الكاملة، لأن المشكلة الحقيقية تكمن في كيفية إدارة الإيرادات العامة، وكفاءة الإنفاق، والحوكمة، والإصلاح الاقتصادي.
سادساً: أين يجب أن يتركز النقاش؟
أرى أن النقاش الوطني ينبغي ألا ينشغل بالتشكيك في كل رقم يصدر عن قطاع النفط، وإنما يجب أن يركز على كيفية تعظيم الإيرادات، وتقليل الهدر، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتنويع الاقتصاد، وتحويل الثروة النفطية إلى تنمية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
فنجاح قطاع النفط في رفع الإنتاج يمثل خطوة مهمة، لكنه ليس نهاية الطريق، لأن التنمية الحقيقية لا تتحقق بالإنتاج وحده، وإنما بالإدارة الرشيدة للعائدات.
ختاماً…
أكرر تقديري واحترامي للصديق الأستاذ أحمد السنوسي، وأؤمن أن اختلاف وجهات النظر لا يفسد للود قضية، بل يثري النقاش العام متى التزم الجميع بالموضوعية واحترام الرأي الآخر.
أما أنا، فسأبقى، كما كنت دائماً، أكتب بصفتي أحد أبناء هذا القطاع، لا مدافعاً عن أشخاص، ولا خصماً لأحد، وإنما منحازاً للحقيقة، وللمصلحة الوطنية، ولحق المواطن الليبي في الحصول على معلومة دقيقة وقراءة متوازنة، لأن النفط الليبي ليس مجرد أرقام إنتاج أو إيرادات مالية، بل هو الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني، وأمانة في أعناقنا جميعاً، تستحق أن نتحدث عنها بالأرقام، وأن نحكم عليها بالوقائع، بعيداً عن الانطباعات.





