
| مقالات اقتصادية
“الشلوي”: لهيب يستهلك الثروة.. البنك الدولي: حرق الغاز في 2025 الأعلى منذ 2019 بهدر 167 مليار متر مكعب قيمتها 54 مليار دولار
كتب: الخبير النفطي والاقتصادي “عبدالمنصف الشلوي” مقالاً
لم يعد حرق الغاز المصاحب في مواقع إنتاج النفط قضية بيئية فحسب، ولا مجرد رقم فني يدرج ضمن تقارير الاستدامة والانبعاثات، بل أصبح مؤشرا مهما على كفاءة إدارة الموارد، وسلامة التخطيط الاستثماري، وقدرة الدول المنتجة على تحويل ثرواتها الهيدروكربونية إلى كهرباء وصناعة وإيرادات وفرص عمل.
ومن هذه الزاوية تحديدا، ينبغي قراءة تقرير «تتبع حرق الغاز في العالم لعام 2026» الصادر عن مجموعة البنك الدولي، والذي كشف أن العالم أحرق خلال عام 2025 نحو 167 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، بقيمة تقديرية تصل إلى 54 مليار دولار.
ويمثل ذلك أعلى مستوى يسجل منذ عام 2019، أي خلال ست سنوات، كما أنه العام الثالث على التوالي الذي تسجل فيه كميات الغاز المحروق عالميا ارتفاعا مستمرا.
ولإدراك حجم هذه الكمية، يشير التقرير إلى أنها تعادل تقريبا إجمالي استهلاك القارة الأفريقية من الغاز خلال عام كامل، وتتجاوز حجم الغاز الطبيعي المسال الذي عبر منطقة الخليج خلال السنة نفسها.
وهذه المقارنة لا تستهدف الإثارة الإعلامية، وإنما توضح حجم المفارقة الاقتصادية: مورد طاقي ثمين يجري إحراقه في مواقع الإنتاج، في وقت تعاني فيه دول عديدة نقصا في إمدادات الكهرباء، وارتفاعا في تكاليف الطاقة، وحاجة متزايدة إلى توفير مصادر محلية ومستقرة للغاز.
ليست كل عمليات الحرق متشابهة
من الضروري عند مناقشة هذا الملف التفريق بين الحرق المرتبط بمتطلبات السلامة والتشغيل وبين الحرق الروتيني المستمر.
ففي المنشآت النفطية والغازية قد تكون هناك حاجة فنية مؤقتة إلى إشعال الشعلة عند بدء تشغيل الوحدات أو إيقافها، وأثناء أعمال الصيانة والاختبارات، أو للتعامل مع حالات الطوارئ والارتفاعات المفاجئة في الضغط.
وفي مثل هذه الحالات تمثل منظومة الشعلة جزءا أساسيا من أنظمة الأمان وحماية العاملين والمعدات والمنشآت، ولا يمكن إلغاؤها أو التعامل معها باعتبارها هدرا غير مبرر.
أما التحدي الحقيقي، فيتمثل في استمرار حرق الغاز بصورة روتينية نتيجة عدم توافر طاقات كافية للتجميع أو الضغط أو المعالجة، أو محدودية خطوط النقل، أو توقف بعض الضواغط والوحدات، أو عدم وجود سوق قريبة قادرة على استيعاب الغاز، أو عدم إدراج مشروعات استغلال الغاز المصاحب ضمن التصميم الأصلي لخطط تطوير الحقول.
وبالتالي، فإن الهدف المهني الواقعي ليس إطفاء جميع الشعلات بصورة عشوائية، وإنما إنهاء الحرق الروتيني وتقليص الحرق التشغيلي إلى أدنى مستوى فني ممكن، مع المحافظة الكاملة على متطلبات السلامة.
كيف يقيس البنك الدولي كميات الحرق؟
تعتمد تقديرات البنك الدولي بدرجة أساسية على الرصد بالأقمار الصناعية، وهو ما يوفر قاعدة مستقلة وموحدة لمقارنة نشاط الحرق بين الدول والمناطق المختلفة.
وقد أدخل تقرير عام 2026 منهجية محسنة تستند إلى بيانات ثلاثة أقمار صناعية تابعة للإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، إضافة إلى تطوير طرق تحديد مواقع الشعلات ومعايرة أحجام الحرق.
ولهذا قد تختلف تقديرات البنك الدولي عن القياسات التشغيلية المسجلة داخل بعض الحقول والمنشآت، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود خطأ في أحد المصدرين.
فالأقمار الصناعية تقيس الإشعاع الحراري الصادر عن الشعلة، ثم تستخدم نماذج حسابية لتحويله إلى تقديرات لحجم الغاز، بينما تعتمد البيانات التشغيلية على أجهزة القياس والموازنة المادية داخل المنشأة.
والتعامل العلمي السليم يقتضي مطابقة المصدرين، ودراسة أسباب الاختلاف، والتأكد من دقة أجهزة القياس الأرضية، ومراعاة اختلاف تركيب الغاز وكفاءة الاحتراق ومدد التشغيل.
ماذا تعني قيمة 54 مليار دولار؟
ينبغي ألا يفهم تقدير البنك الدولي البالغ 54 مليار دولار على أنه أرباح صافية يمكن تحصيلها بمجرد إطفاء الشعلات.
فالرقم يعبر عن القيمة الإجمالية التقديرية للغاز المحروق عالميا، بينما تحتاج عملية استرداد الغاز إلى استثمارات رأسمالية وتشغيلية تشمل شبكات التجميع، والضواغط، ووحدات الفصل والتحلية والمعالجة، وخطوط النقل، وأنظمة القياس والتحكم والصيانة.
كما تختلف الجدوى الاقتصادية من موقع إلى آخر بحسب حجم تدفق الغاز واستمراريته، وتركيبه، ونسبة الشوائب فيه، وضغطه، وبعد الحقل عن شبكات النقل ومراكز الاستهلاك، وحجم السوق القادرة على استيعابه.
وليس كل متر مكعب من الغاز المحروق قابلا للتحويل بالكامل إلى غاز مبيعات؛ فقد تحدث خسائر أثناء عمليات الفصل والمعالجة، كما يستخدم جزء من الغاز وقودا لتشغيل الضواغط والمرافق المختلفة.
ومع ذلك، لا تلغي هذه الاعتبارات الجدوى الاقتصادية لاستغلال الغاز المصاحب، بل تؤكد ضرورة دراسة كل مشروع وفقا لخصائصه الفنية والاقتصادية.
ويقدر البنك الدولي أن إنهاء الحرق الروتيني عالميا يتطلب استثمارات أولية تتراوح بين 70 و100 مليار دولار، وهو مبلغ يقل عن ضعفي القيمة التقديرية للغاز الذي أهدر خلال عام واحد فقط.
وتوضح هذه المقارنة أن الحلول الفنية متاحة، وأن الاستثمار يمكن أن يكون مجديا، إلا أن سرعة التنفيذ تتأثر بتوافر التمويل والبنية التحتية والأسواق والأطر التنظيمية، وترتيب هذه المشروعات ضمن الأولويات الاستثمارية للدول والشركات.
القيمة الاقتصادية تتجاوز سعر الغاز
لا تقتصر خسارة حرق الغاز على قيمته المباشرة في السوق، لأن استغلاله يمكن أن يحقق مجموعة واسعة من المنافع الاقتصادية والتشغيلية.
فالغاز المسترد يمكن توجيهه إلى محطات توليد الكهرباء، أو استخدامه وقودا في العمليات النفطية، أو معالجته لاستخلاص المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي، أو توجيهه إلى الصناعات البتروكيماوية والأسمدة والحديد والصلب والإسمنت.
وفي بعض الحقول يمكن إعادة حقن الغاز في المكامن للمحافظة على الضغط وتحسين استخلاص النفط، بينما يمكن في المواقع البعيدة دراسة حلول الغاز الطبيعي المضغوط أو وحدات الغاز الطبيعي المسال الصغيرة، متى أثبتت الدراسات الفنية والاقتصادية جدواها.
كما أن توفير الغاز لمحطات الكهرباء قد يحد من استخدام الوقود السائل الأعلى تكلفة، ويسهم في تقليص الحاجة إلى استيراد بعض المشتقات النفطية، ويتيح توجيه كميات أكبر من الخام والمنتجات القابلة للتصدير.
ولهذا يجب ألا يحسب العائد الحقيقي من مشروعات استرداد الغاز على أساس سعر الغاز وحده، بل على أساس القيمة الاقتصادية الكلية التي تشمل الوقود المستبدل، والكهرباء المنتجة، والمنتجات المستخلصة، وتحسن كفاءة التشغيل، وانخفاض الانبعاثات، وتقليص فاتورة الاستيراد.
خطوات ليبية عملية تستحق التثمين
في السياق الليبي، من الإنصاف الإشارة إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط أعلنت في مطلع عام 2026 تحقيق تقدم مهم من خلال مجموعة من المشروعات التي ساعدت على خفض حرق الغاز والاستفادة من أكثر من 100 مليون قدم مكعبة يوميا.
وشملت هذه الأعمال مشروعات نفذتها شركات سرت والسرير والواحة، من بينها إعادة توجيه الغاز إلى الشبكة الساحلية، وإعادة تشغيل منظومات الفصل والضغط، والاستفادة من الغاز في عمليات الرفع بالغاز، وتشغيل وحدات لمعالجة الغاز وإنتاج كميات إضافية من المكثفات.
كما أعلنت المؤسسة استهداف رفع الكمية المستفاد منها إلى نحو 120 مليون قدم مكعبة يوميا خلال عام 2026، والعمل على خفض حرق الغاز بنسبة 60 في المائة بحلول عام 2030.
وهذه خطوات مهمة تستحق الدعم والتثمين، لأنها لا تقتصر على خفض الانبعاثات، بل تسهم في تعزيز إمدادات الغاز للسوق المحلية، ودعم محطات الكهرباء والمنشآت الصناعية، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وتعظيم الاستفادة من الموارد الوطنية.
مشروع البوري.. تحويل الغاز من شعلة إلى مورد اقتصادي
يبرز مشروع استغلال غاز حقل البوري بوصفه أحد أهم المشروعات الاستراتيجية في هذا المسار.
وتبلغ الميزانية المعلنة للمشروع نحو 1.565 مليار دولار، وهو مصمم لمعالجة واستغلال قرابة 125 مليون قدم مكعبة من الغاز يوميا، مع استهداف وقف الحرق الروتيني في الحقل وتعزيز إمدادات الغاز للسوق المحلية.
ويجسد هذا المشروع التحول المطلوب في النظرة إلى الغاز المصاحب؛ من كونه ناتجا ثانويا لعملية إنتاج النفط، إلى مورد اقتصادي يمكن توظيفه في دعم أمن الطاقة، وتوفير الوقود، وتحسين كفاءة الإنتاج، وخلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
زيادة إنتاج النفط ومعادلة الغاز المصاحب
تسعى ليبيا بصورة مشروعة إلى رفع إنتاج النفط وزيادة الإيرادات العامة، وهو هدف مهم للاقتصاد الوطني، لكن نجاحه واستدامته يتطلبان أن تسير برامج زيادة الإنتاج بالتوازي مع تطوير مرافق تجميع ومعالجة ونقل الغاز المصاحب.
فكل زيادة في إنتاج الخام من المكامن التي تحتوي على غاز مصاحب قد تؤدي إلى زيادة كميات الغاز المنتجة معه، ومن ثم ارتفاع معدلات الحرق إذا لم تتوافر طاقات كافية لاستيعابه ..
من الشعلة إلى القيمة
إن الرسالة الأهم في تقرير البنك الدولي ليست مجرد تسجيل رقم عالمي جديد لحرق الغاز، وإنما التأكيد على أن استمرار هذه الظاهرة يعني فقدان مورد قادر على دعم الكهرباء والصناعة والإيرادات وأمن الطاقة.
فالغاز الذي يحرق لا يمثل فقط قيمة مالية مهدرة، بل يمثل كذلك وقودا لم يستخدم، وكهرباء لم تنتج، ومنتجات لم تستخلص، وفرصا صناعية لم تستثمر.



