Skip to main content
“الفارسي”: مفارقة الثروة والهشاشة.. لماذا تستقر عملات بلا نفط وتتأرجح عملة النفط؟
|

“الفارسي”: مفارقة الثروة والهشاشة.. لماذا تستقر عملات بلا نفط وتتأرجح عملة النفط؟

كتب عضو لجنة السياسة النقدية بالمركزي “أيوب الفارسي” مقالاً قال خلاله:

يكاد يكون من البديهيات لدى غير المتخصصين أن الدول التي تنام على بحيرات من النفط والغاز لا بد أن تمتلك العملات الأكثر قوة واستقراراً، وأن الدول الشحيحة الموارد الطبيعية محكوم عليها بالاضطراب النقدي الدائم. غير أن الواقع الاقتصادي في منطقتنا يضرب بهذه البديهية عرض الحائط؛ إذ يُطرح تساؤل جوهري في الأوساط الاقتصادية وبين عامة الناس:

كيف تحافظ دول مثل الأردن وتونس على استقرار عملاتها الوطنية نسبياً، بينما تضطر ليبيا — برغم تدفقات مليارية من عوائد النفط — إلى خفض قيمة دينارها مراراً وتكراراً في السنوات الأخيرة؟

لتفكيك هذه المفارقة، نحتاج إلى أن نغوص في هيكل الاقتصاد، وآليات بناء الاحتياطيات، والأهم من ذلك الوضع المؤسسي والسياسي لدول الأردن وتونس وليبيا:

1. الأردن وتونس: #صناعة_الاستقرار_مع_شح_الموارد.

لا تمتلك الأردن أو تونس نفطاً يُذكر، لكنهما تمتلكان شيئاً تفتقده بعض الاقتصاديات الريعية:
المؤسسية النقدية وتنوع مصادر التدفق النقدي للعملة الأجنبية.

#الأردن: عقيدة الربط الصارم والمصدات الخارجية

يعتمد الأردن منذ عام 1995 سياسة ربط صارمة وثابتة لديناره (JOD) بالدولار الأمريكي عند سعر 0.709 دينار للدولار. هذا الاستقرار ليس نتاج ثروة طبيعية، بل هو نتاج هندسة نقدية تعتمد على:

  • تدفقات متنوعة وديناميكية: تحويلات المغتربين الأردنيين في الخارج، والدعم والمساعدات الدولية الاستراتيجية، والدخل السياحي.
  • مؤسسات مرنة: يلتزم البنك المركزي الأردني بالحفاظ على مستويات مرتفعة جداً من احتياطيات العملة الأجنبية كغطاء كامل للكتلة النقدية، مع استخدام أسعار الفائدة كأداة دفاعية لجعل الإيداع بالدينار أكثر جاذبية من الدولار، مما يمنع ظاهرة “الدولرة”.

#تونس: مرونة الهيكل ووحدة القرار

رغم الضغوط المالية الكبيرة وشح السيولة الأجنبية التي واجهتها تونس في السنوات الأخيرة، إلا أن الدينار التونسي (TND) لم ينهر. يعود الفضل في ذلك إلى:

  • هيكل تصديري متنوع:
    يوزع الاقتصاد التونسي مخاطره؛ فإذا تراجع قطاع السياحة نتيجة أزمات معينة، تتحرك صادرات الصناعات الميكانيكية والكهربائية، والمنسوجات، وزيت الزيتون، والتمور لتوفير العملة الصعبة.
  • استقلالية نقدية موحدة:
    احتفظ البنك المركزي التونسي بوحدته المؤسسية وقدرته على إدارة “سعر الصرف”، متدخلاً بشكل محسوب في السوق دون التسبب في تشوهات هيكلية أو خلق أسواق موازية عملاقة.

2. المشهد الليبي: كيف يلتهم الانقسام والمورد الأحادي قوة الدينار؟

على الجانب الآخر، يروي الاقتصاد الليبي قصة مختلفة تماماً في السنوات الأخيرة. هذه الحالة المختلفة، رغم وضوح معالمها، إلا أن التحليلات المتحيزة أو الصادرة عن قصور فهم لدى البعض أوقعت العامة في حيرة من هذا الوضع، حيث يتم تناول قضايا سعر الصرف، بقصد أو بدون علم، بمعزل عن السياسة والأمن والمؤسسات. فرغم أن الصادرات النفطية تضخ مليارات الدولارات سنوياً، إلا أن الدينار الليبي (LYD) خضع لعمليات خفض متتالية وتعديلات في أسعار الصرف (سواء عبر خفض السعر الرسمي مباشرة أو فرض رسوم وضغوط نقدية). يعود هذا التراجع إلى ثلاثة عوامل مترابطة:

أ. فخ الاقتصاد الأحادي والأوراق السياسية:

يعتمد الاقتصاد الليبي بنسبة تقارب 95% إلى 98% على النفط لتأمين النقد الأجنبي وتمويل الميزانية العامة. هذا الاعتماد المطلق جعل العملة الوطنية رهينة أمرين:

  1. تقلبات أسعار النفط العالمية.
  2. الإغلاقات المتكررة للحقول والموانئ النفطية التي استُخدمت كورقة ضغط سياسي، مما تسبب في جفاف مفاجئ وفجائي لتدفقات الدولار.

ب. الانقسام المؤسسي والسياسي:

المشكلة في ليبيا لم تكن يوماً في حجم الثروة، بل في #إدارة_الثروة. حيث أدى الانقسام السياسي والمؤسسي إلى:

1- تشتت القرار النقدي والمالي:
شهدت المنظومة النقدية فترات صعبة من تضارب الإدارة بين المصارف المركزية، مما أعاق صياغة سياسة نقدية موحدة وبعيدة المدى.

  • الانفلات المالي:
    غياب ميزانية وطنية واحدة ومحوكمة أدى إلى توسع غير مدروس في الإنفاق الاستهلاكي والمطبوعات النقدية، مما تسبب في اختلال المعروض النقدي مقارنة بالطلب على العملة الأجنبية.

ج. تشوه السوق واتساع الفجوة الموازية:

بسبب عدم اليقين السياسي والمخاوف الأمنية، نشأت أسواق موازية للعملة بفجوات سعرية كبيرة عن السعر الرسمي. هذا التشوه دفع السلطات النقدية، في أكثر من محطة، إلى اتخاذ قرارات صعبة بخفض قيمة الدينار رسمياً أو فرض رسوم وتدابير استثنائية على بيع النقد الأجنبي لمحاولة ردم الفجوة، وكبح المضاربة، وحماية ما تبقى من احتياطيات.

يقودنا هذا إلى أن جوهر الاختلاف هو اختلاف هيكلي واختلاف في المعطيات السياسية والمؤسسية، تتضح في المقارنة الهيكلية: لماذا تختلف النتائج؟

#هيكل_الإيرادات في تونس والأردن:
متنوع (صناعة، سياحة، تحويلات، مساعدات) أو محمي بالربط.

#هيكل_الإيرادات في ليبيا:
ريعي مطلق (نفط وغاز فقط).

#قنوات_امتصاص_الصدمات في تونس والأردن:
تتميز بمرونة القطاعات البديلة وتعديلات الفائدة الدفاعية.

#قنوات_امتصاص_الصدمات في ليبيا:
شبه منعدمة؛ أي توقف للنفط يعني توقف شريان الحياة النقدي.

دور المصرف المركزي: إدارة الأزمة بين مطرقة الانقسام وسندان المضاربة

في خضم هذه الاختلالات الهيكلية، لم تقف السلطة النقدية مكتوفة الأيدي؛ حيث بذل مصرف ليبيا المركزي جهوداً حثيثة للتعامل مع تداعيات هذا الوضع المعقد. وقد تركزت استراتيجيته في السنوات الأخيرة على ثلاثة مسارات أساسية: أولاً، تنظيم معروض النقد الأجنبي عبر منظومة الاعتمادات المستندية والأغراض الشخصية لامتصاص الطلب المتزايد وكبح جماح السوق الموازية. ثانياً، مكافحة أزمة السيولة المزمنة وتهديدات قنوات الإصدار غير الرسمية من خلال خطط سحب الفئات المشوهة وضخ عملة جديدة لتعزيز الثقة في القطاع المصرفي. وثالثاً، تسريع الشمول المالي الرقمي والتوسع الكثيف في وسائل الدفع الإلكتروني لتخفيف الضغط على النقد الورقي. ورغم هذه التدابير الدفاعية، وتعديلات سعر الصرف الصعبة لإعادة التوازن النقدي، تظل جهود المركزي أشبه بمسكنات مؤقتة ما لم تقترن بانضباط مالي شامل، وإقرار ميزانية وطنية موحدة، وإبعاد قوت الليبيين عن التجاذبات السياسية.

#خلاصة

الثروة الطبيعية، في غياب الاستقرار السياسي والمؤسسي، تتحول من نعمة إلى عامل هشاشة (المرض الهولندي). إن تجارب تونس والأردن تثبت أن #قوة_العملة لا تُستمد مما تحت الأرض من براميل، بل مما فوق الأرض من مؤسسات موحدة، وسياسات نقدية مستقلة، وهيكل اقتصادي مرن قادر على الصمود أمام العواصف السياسية والاقتصادية. بينما تظل الحالة الليبية دليلاً على أن توحيد القرار المؤسسي والنقدي، والنأي بالقطاع النفطي عن التجاذبات، هو الممر الإلزامي الوحيد لاستعادة استقرار الدينار وقوته الشرائية.

هل هذا يعني أن الوضع الاقتصادي في تونس والأردن أفضل من ليبيا؟

هناك تباين واضح يصعب معه الإجابة بشكل جازم، فالمواطن في تونس والأردن يتعامل مع عملة مستقرة وأسواق متوفرة وخدمات جيدة، لكنه يكافح يومياً لتأمين دخل يكفي التكلفة المرتفعة للمعيشة. والبطالة مرتفعة، ولا يوجد توظيف حكومي ولا دعم مجزٍ يحمي الطبقات الهشة. في المقابل، المواطن في ليبيا يمتلك قوة مالية ودخلاً أعلى نسبياً في المتوسط، لكنه يعاني من تذبذب استقرار هذا الدخل، ونقص جودة الخدمات العامة، والبيئة المؤسسية المحيطة به. الثروة النفطية تحمي مستوى المعيشة في ليبيا من الانهيار، لكن الانقسام المؤسسي يمنعها من تحويل هذه الثروة إلى رفاهية مستدامة.

ولا يفصل ليبيا عن أن تعاني معيشياً وخدمياً سوى المساس بآخر جدران الحماية.

مشاركة الخبر