كتب: الخبير القانوني في مجال النفط “عثمان الحضيري” مقالاً
يتردد في الآونة الأخيرة شعار مفاده أن “المليار الذي يحمي المليارات”، في إشارة إلى أن تمويل المؤسسة الوطنية للنفط ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل استثمار يهدف إلى حماية إيرادات الدولة وتعظيمها. ومن حيث المبدأ، لا يختلف اثنان على أن قطاع النفط هو العمود الفقري للاقتصاد الليبي، وأن الاستثمار فيه ضرورة وطنية لا رفاهية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل المشكلة كانت يومًا في نقص التمويل، أم في كيفية إدارة التمويل؟
لقد شهد القطاع خلال السنوات الماضية تخصيص مليارات الدنانير والدولارات تحت عناوين زيادة الإنتاج، وتطوير الحقول، وتحسين البنية التحتية. ومع ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من الأهداف المعلنة لم يتحقق بالقدر الذي برر حجم الإنفاق، ولم تُقدم للرأي العام مراجعات واضحة تفسر أسباب الإخفاق أو تقيس العائد الحقيقي على تلك الأموال.
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل امتد إلى الإنفاق على مشاريع لم تثبت جدواها، وبرامج تدريب لم ينعكس أثرها على الأداء المؤسسي، ومهام رسمية وسفريات أُثيرت حولها تساؤلات بشأن ضرورتها وجدواها، فضلًا عن ممارسات إنفاق لا تنسجم مع أولويات قطاع يفترض أن تُدار موارده بأعلى درجات الكفاءة والانضباط.
في ظل هذا الواقع، كيف يمكن لأي جهة تمويل أو إقراض أن تقتنع بأن مليار دولار جديد سيحقق نتائج مختلفة، إذا كانت أدوات التخطيط والرقابة والحوكمة ما زالت على حالها؟ فالممول لا ينظر فقط إلى قيمة الضمانات أو أهمية القطاع، بل ينظر أيضًا إلى جودة الإدارة، وشفافية الإنفاق، والقدرة على تنفيذ البرامج وتحقيق النتائج.
إن الأموال، مهما بلغ حجمها، لا تصنع النجاح إذا أُنفقت خارج إطار الأولويات، أو غابت عنها الرقابة والمساءلة. والتجارب السابقة، بما شهدته بعض شركات القطاع من تراكم ديون بمليارات الدنانير دون تحقيق قيمة مضافة تتناسب مع تلك الالتزامات، تقدم درسًا لا ينبغي تجاهله.
لذلك، فإن القضية ليست رفضًا لتمويل قطاع النفط، ولا اعتراضًا على توفير الموارد اللازمة له، بل هي دعوة إلى أن يسبق التمويل إصلاحٌ حقيقي في منظومة الإدارة. فالمطلوب ليس مجرد توفير مليار دولار، وإنما توفير بيئة مؤسسية تضمن أن كل دولار يُنفق يحقق عائدًا ملموسًا، وأن تكون هناك خطط قابلة للقياس، ومؤشرات أداء واضحة، ومراجعة دورية للنتائج، ومحاسبة لكل من يقصر أو يهدر المال العام.
الثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالسجل العملي. والتمويل ليس هدفًا في حد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق التنمية وزيادة الإنتاج وتعظيم الإيرادات. أما إذا بقيت أدوات الإدارة كما هي، فإن ضخ المزيد من الأموال قد يعيد إنتاج المشكلات نفسها، ولكن بأرقام أكبر.
ويبقى المبدأ الذي أثبتته التجارب صالحًا في الإدارة كما هو في الحياة: لا يُلدغ المرء من جحرٍ مرتين
عثمان الحضيري




