| مقالات اقتصادية
“القماطي”: هل نجح الشمول المالي في ليبيا؟.. قراءة نقدية في تجربة مصرف ليبيا المركزي
كتب: أستاذ الاقتصاد جامعة بنغازي “حلمي القماطي” مقالاً
نجح مصرف ليبيا المركزي في تحقيق تقدم كبير في الرقمنة والدفع الإلكتروني لكنه لم يحقق بعد الشمول المالي الكامل بمعناه الاقتصادي الحقيقي
بمعنى آخر، نجحنا في تحويل جزء كبير من المعاملات إلى الهاتف والبطاقة لكننا لم ننجح بعد بالقدر نفسه في تحويل النظام المصرفي إلى أداة شاملة للإنتاج والادخار والائتمان والاستثمار.
أولاً أين نجح مصرف ليبيا المركزي؟
لا يمكن إنكار القفزة الكبيرة في البنية التحتية للدفع الإلكتروني فبحسب بيانات المصرف المركزي خلال بداية 2026.
تجاوز عدد نقاط البيع 170 ألف نقطةوبلغ عدد البطاقات المفعلة أكثر من 5.5 مليون بطاقةووصل عدد مشتركي التطبيقات المصرفية إلى أكثر من 4.29 مليون مشترك وسجلت تطبيقات الهاتف عشرات الملايين من العمليات وبقيم مالية ضخمة ايضا توسعت خدمات التحويل الفوري مثل LYPay و OnePay وأُطلقت استراتيجية وطنية للشمول المالي للفترة 2025–2029 مع مشاريع للحسابات المالية للفئات المستبعدة والهوية الرقمية والخدمات المالية الرقمية وفي يونيو 2026 استمر التوسع بإطلاق قبول بطاقات Visa عالمياً عبر نقاط البيع المحلية وتقنية SoftPOS
إذاً من ناحية التكنولوجيا والمدفوعات الرقمية نعم هناك نجاح واضح جداً.
لكن أين المشكلة؟
الشمول المالي ليس مجرد تطبيق مصرفي
هناك خلط كبير في الخطاب الرسمي بين
Financial Inclusion
الشمول المالي
و
Digital Payments
الدفع الإلكتروني
الدفع الإلكتروني جزء من الشمول المالي، لكنه ليس الشمول المالي كله.
فالشمول المالي الحقيقي يعني أن يستطيع المواطن والمشروع
ا.فتح حساب بسهولة.
ب.الادخار بأمان.
ج. الحصول على التمويل والائتمان.
ه. التأمين على المخاطر.
و. الوصول للخدمات المالية بتكلفة مناسبة.
ط. تمويل مشروعه والاستثمار والإنتاج.
ع.الحصول على خدمات مصرفية عادلة في جميع المناطق والفئات.
وهنا تظهر المشكلة الليبية
ثانياً / المواطن دخل التطبيق لكن هل دخل الاقتصاد المالي الحقيقي؟
هذه هي النقطة الجوهرية قد يكون المواطن لديه بطاقة مصرفية وتطبيق على الهاتف و خدمة تحويل وإمكانية الدفع الإلكتروني
لكن هل يستطيع الحصول على قرض لإنشاء مصنع؟
هل يستطيع شاب الحصول على تمويل لمشروع صغير؟
هل تستطيع امرأة إنشاء نشاط اقتصادي والحصول على خدمات تمويلية مناسبة؟
هل يستطيع المزارع الحصول على تمويل موسمي؟
هل تستطيع الشركات الصغيرة والمتوسطةالوصول إلى الائتمان بسهولة؟
بصراحة الفجوة ما زالت كبيرة.
وبالتالي يمكن القول ان ليبيا حققت توسعاً في الشمول الرقمي لكنهالم تحقق بعد شمول مالي إنتاجي بالمعنى الكامل
ثالثاً: المفارقة الليبية الكبيرة
ان المصارف الليبية تملك سيولة ضخمةبينما الاقتصاد يعاني من ضعف التمويل
وهذه مفارقة اقتصادية خطيرة
أموال كثيرة داخل الجهاز المصرفي لكن تمويل محدود للإنتاج
أي أن المواطن يستطيع أن يحول الأموال إلكترونياً بسرعة أكبر
لكنه لا يستطيع بالسهولة نفسها أن
يحصل على تمويل لإنشاء مشروع ينتج هذه الأموال!
وهنا يصبح التحول الرقمي مجرد تطوير لوسيلة تداول المال وليس بالضرورة تطوير لعملية خلق الثروة والإنتاج.
رابعاً هل نجح المركزي في تقليل الاعتماد على النقد؟
استطيع القول نجاح جزئي ومهم لكن ليس كامل
فالتوسع في نقاط البيع والتطبيقات والتحويلات الفورية ساهم فعلاً في تقليل الحاجة لبعض التعاملات النقدية كما أن مصرف ليبيا المركزي بنى منذ سنوات بنية تحتية للمدفوعات والتسويةالإلكترونيةلدعم الخدمات المصرفية متعددة القنوات
لكن استمرار مشاكل الثقة في المصارف و الحصول على السيولة والاقتصاد غير الرسمي والسوق الموازية للعملةو ضعف انتشار الخدمات المتقدمة خارج المراكز الرئيسية.
يعني أن النقد ما زال يلعب دور أكبر من المطلوب في الاقتصاد الليبي
مصرف ليبيا المركزي نجح في بناء طريق الشمول المالي لكنه لم يصل بعد إلى نهايته نعم نجح في رقمنة المعاملات لكنه لم ينجح بعد بالدرجة الكافية في رقمنة الاقتصاد المنتج وتمويل المواطن والمشروع الصغير وتحويل المدخرات إلى استثمارات.
ولذلك فإن حكمي الاقتصادي هو ما تحقق في ليبيا حتى الآن هو نجاح كبير في التحول نحو المدفوعات الرقميةونجاح جزئي في الشمول المالي لكنه ليس بعد شمولاً مالياً حقيقياً ومتكامل فالشمول المالي الحقيقي لا يُقاس بعدد البطاقات ونقاط البيع فقط بل بعدد المواطنين والمشروعات التي انتقلت من خارج الاقتصاد الرسمي إلى داخله ومن الاستهلاك إلى الإنتاج ومن الحاجة إلى التمويل إلى القدرة على الاستثمار.
في رأيي ما زالت المهمة أكبر أمام مصرف ليبيا المركزي والمصارف التجارية



