كتب: خبير قانوني في مجال النفط عثمان الحضيري مقالا
هل يمكنها ذلك في هذه الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية؟ والوضع الدولي المتأزم؟ وهل تعتبر ليبيا بيئة خصبة للاستثمار النفطي برا وبحرا؟ وما المطلوب لجذب مستثمرين كبار؟ رغم الجولات السابقة والتى عرضت فيها العديد من القطع الاستكشافية مع قلة الشركات التى قدمت عروضها، والابتعاد الفعلي للشركات الكبرى عن الاستثمار! ما أسبابه يا ترى؟
نعم، يمكن لليبيا زيادة إنتاج النفط والغاز وجذب استثمارات كبيرة، حتى في الظروف الحالية، لكن هناك فرق مهم بين وجود فرص جيولوجية ممتازة وبين وجود بيئة استثمارية آمنة وقابلة للتمويل، وهنا تحديدًا تكمن المشكلة الليبية.
واللافت أن التطورات الأخيرة تؤكد أن الصورة ليست «هروبًا كاملًا للشركات الكبرى»، ففي فبراير 2026 منحت المؤسسة الوطنية للنفط تراخيص في أول جولة منذ 2007 لشركات وتحالفات تضم Chevron وEni وQatarEnergy وRepsol وغيرها، لكن من أصل 20 قطعة معروضة فاز المستثمرون بخمس فقط.
في جملة واحدة ، ليبيا جذابة جدًا جيولوجيًا واقتصاديًا، لكنها غير جذابة بما يكفي سياسيًا ومؤسسيًا وماليًا لكي تضخ الشركات الكبرى عشرات المليارات بسرعة، وهذا هو التناقض الليبي الأساسي.
- لماذا ليبيا مغرية أصلًا؟
من وجهة نظر شركة نفط عالمية، ليبيا لديها مجموعة نادرة من المزايا:
- احتياطيات نفطية ضخمة.
- نفط منخفض نسبيًا في تكلفة الاستخراج مقارنة بكثير من المناطق الجديدة.
- قرب شديد من السوق الأوروبية.
- وجود بنية تحتية نفطية قائمة: حقول، خطوط أنابيب، موانئ، مرافق معالجة وتصدير.
- مساحات برية وبحرية ما زالت غير مستكشفة بصورة كافية.
- فرص للاستثمار هائلة في حقول قائمة ، أي تطوير حقول ومنشآت موجودة بدل البدء من الصفر.
- أكثر من 60 حقلًا مكتشفًا لم يدخل بعضها مرحلة التطوير، وفق تصريحات حديثة لرئيس مؤسسة النفط . كما تستهدف ليبيا رفع الإنتاج من نحو 1.4 مليون برميل يوميًا إلى مليوني برميل يوميًا بحلول 2030، مع احتياج استثماري قد يصل إلى نحو 40 مليار دولار.
إذاً المشكلة ليست نقص الفرص بل المشكلة من يضمن للمستثمر أن الفرصة ستبقى متاحة وآمنة ومربحة لمدة 20 أو 30 سنة؟ وهذا سؤال مختلف تمامًا.
- لماذا لا تندفع الشركات الكبرى إلى ليبيا؟
هنا أعتقد أن قراءة نتائج الجولة الأخيرة مهمة جدًا.
لو كانت المشكلة فقط في «سوء شروط العقود»، لكان تعديل شروط العقود كافيًا ، لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
الشركة العالمية عندما تستثمر ملياري أو خمسة مليارات دولار لا تنظر فقط إلى ، كم برميلًا سأنتج؟
بل تنظر إلى:
من يضمن لي أن هذا العقد سيظل نافذًا بعد خمس سنوات؟
من يحمي منشآتي؟ من يضمن تحويل أرباحي من يضمن عدم إغلاق الميناء؟ من يضمن عدم ظهور حكومة أخرى تطالب بالعقد؟ من يضمن عدم فرض ضريبة أو رسم جديد؟ من يضمن ألا تتحول منطقة الامتياز إلى منطقة صراع؟ ومن سيعوضني إذا توقف الإنتاج بسبب قوة قاهرة سياسية؟ وهنا تصبح ليبيا أكثر مخاطرة.
- المشكلة الليبية ليست «الأمن» وحده
أحيانًا نختصر المشكلة في عبارة (الشركات تخاف من الوضع الأمني) وهذا صحيح، لكنه غير كافٍ.
هناك خمسة أنواع من المخاطر ، أولًا: المخاطر السياسية ؛-
وجود مؤسسات وسلطات متنافسة يجعل المستثمر يسأل: من هو الطرف السيادي الذي سيحمي العقد؟ وهذا مهم جدًا في النفط لأن الامتيازات تمتد لعقود.
ثانيًا: المخاطر الأمنية
حتى لو كان الحقل نفسه آمنًا، فإن:
- خطوط الأنابيب
- الطرق
- المطارات
- الموانئ
- محطات الكهرباء
- مناطق الخدمات
كلها جزء من سلسلة الإنتاج.
وبالتالي لا يكفي أن تكون منصة الحفر آمنة ، يجب أن تكون السلسلة كلها آمنة.
ثالثًا: المخاطر المؤسسية
وهذه ربما أخطر من السلاح نفسه على المدى الطويل ، المستثمر يريد:
قضاء مستقل وقانون واضح وعقود مستقرة وتحكيم دولي ونظام ضريبي واضح و قدرة على تحويل الأموال.
إذا لم تتوفر هذه المنظومة، فإن الشركة او المستثمر يضع علاوة مخاطر كبيرة على المشروع.
وهذه العلاوة تعني ببساطة أن:
المشروع الذي يكون ممتازًا في النرويج قد يصبح متوسطًا في ليبيا.
- وهناك مشكلة أخرى لا تقل أهمية: تمويل الدولة نفسها و هذه نقطة أعتقد أنها شديدة الأهمية في الحالة الراهنه الليبية.
النموذج النفطي الليبي تاريخيًا يجعل الدولة والمؤسسة الوطنية للنفط شريكًا محوريًا، لكن ماذا يحدث عندما تكون الدولة نفسها تعاني من نقص التمويل أو الانقسام؟
في يناير 2026 نُقل عن رئيس مؤسسة النفط أن المؤسسة لم تحصل على ميزانية تشغيلية معتمدة خلال 2025، وهو ما يعكس مشكلة أكبر من مجرد تمويل مشروع نفطي واحد.
وهنا تظهر المفارقة، ليبيا تحتاج المستثمر الأجنبي لأنها لا تستطيع تمويل كل التطوير المطلوب، لكن المستثمر الأجنبي يحتاج إلى دولة قوية ومستقرة لكي يضع أمواله ، وهذا هو «الفخ» الذي يجب كسره.
- وهل البحر أفضل من البر؟ ليس بالضرورة.
مثلا برًا ، ليبيا لديها فرص هائلة في أحواض مثل:
- سرت
- مرزق
- غدامس
- وغيرها.
لكن البر مرتبط بشكل مباشر بالأمن المحلي وحماية المنشآت وخطوط النقل.
وبحرًا
هناك إمكانات مهمة جدًا في البحر المتوسط، وربما تكون استراتيجية خصوصًا في الغاز.
والجولة الأخيرة نفسها تضمنت مناطق بحرية؛ فقد حصل تحالف Eni وQatarEnergy على منطقة بحرية، كما حصل تحالف Repsol وMOL وTPOC على منطقة بحرية أخرى.
لكن Offshore يحتاج إلى:
رأس مال أكبر ، تكنولوجيا أكبر وأعقد وخدمات بحرية ، تأمين أعلى ، استقرار أطول.
لذلك لا أعتقد أن ليبيا تستطيع الاعتماد على فكرة:
«لدينا البحر، إذاً الشركات ستأتي.»
الشركات ستأتي عندما تصبح المعادلة الاقتصادية والسياسية و الأمنية مقنعة متناغمه بشكل دقيق
- هل الجولة الأخيرة كانت فشلًا؟
أنا لا أصفها بالفشل ، لكنني أيضًا لا أعتبرها نجاحًا كبيرًا بل هي أقرب إلى:
اختبار للسوق كشف حجم المشكلة.
إذا عرضت ليبيا 20 منطقة، ثم فاز المستثمرون بخمس فقط، فهذا يعني أن الشركات انتقائية جدًا.
وهذا منطقي فالشركة لا تريد أي قطعة بل تريد القطعة التي تحقق أفضل علاقة بين:
الاحتياطي المتوقع ، تكلفة التطوير ، سعر النفط ، شروط العقد ، المخاطر السياسية والأمنية.
والجولة الأخيرة جذبت أسماء ثقيلة بالفعل، منها Chevron وEni وQatarEnergy وRepsol، ولذلك من الخطأ القول إن الشركات الكبرى «ابتعدت تمامًا». لكن في المقابل، عدد القطع الفائزة مقارنة بالمعروض يقول شيئًا مهمًا جدًا عن مستوى المخاطرة.
- وهنا نصل إلى السؤال الأهم: ماذا يجب أن تفعل ليبيا؟
في رأيي، خفض الضرائب أو تحسين شروط تقاسم الإنتاج وحده لن يحل المشكلة.
ليبيا تحتاج إلى «صفقة استثمارية» متكاملة.
وأقترح أن تكون على ستة محاور: - حماية العقود
يجب إصدار رسالة واضحة جدًا للمستثمر:
العقد النفطي لا يتغير بتغير الحكومة ، شريطة ان يكون متفقا مع التشريعات والقوانين الليبيه ، لان العقد المبرم بشكل مخالف لا قيمة له امام التحكيم الدولي ، وهذه ربما أهم حوافز الاستثمار على الإطلاق. - تحييد النفط عن الصراع السياسي
يجب أن يكون هناك اتفاق ليبي واسع على أن:
مؤسسة النفط مؤسسة فنيه تجارية تدار بكفاءات وطنية ، وليس أداة للصراع بين الحكومات والمناطق ، وهذا يتطلب ترتيبات حقيقية لتوزيع الإيرادات والرقابة عليها. - ضمان التحكيم الدولي
الشركة الكبرى تريد أن تعرف مسبقًا:
إذا اختلفت مع مؤسسة النفط اين تذهب ؟؟ واذا الغيت وزارة النفط اين تشتكي ، وأين ستذهب إذا غابت الدولة ودواليبها لحماية حقوقها ، وجود آلية تحكيم دولي قوية ومستقلة يمكن أن يخفض علاوة المخاطر بصورة كبيرة. - إصلاح النموذج المالي
وهذه نقطة جوهرية ، إذا كانت الدولة غير قادرة على تمويل حصتها في المشاريع، ثم اشترط العقد عليها مساهمات وتمويلات لا تستطيع توفيرها، فإن المشروع يتعطل ويسبب اشكالاً كبيرا للمستثمر الذي قد اعتمد في تمويلاته على مصارف كبرى عالمية
وهنا يمكن التفكير في:
- شروط أكثر مرونة.
- استرداد تكاليف واضح.
- نماذج امتياز أو عقود إنتاج أكثر جاذبية في بعض المناطق.
- مشاركة الدولة بنسب مختلفة حسب مستوى المخاطر.
- حوافز أكبر للمناطق الحدودية أو البحرية عالية المخاطر.
وهذا يتماشى مع النقاش الجاري داخل ليبيا حول الانتقال إلى نماذج امتياز أكثر قدرة على جذب رأس المال.
- والأهم: لا ينبغي أن تبحث ليبيا فقط عن «شركة تحفر بئرًا»
هذه نقطة استراتيجية ، ليبيا تحتاج إلى استثمارات في:
الاستكشاف ، التطوير ، الإنتاج ، الغاز ، المعالجة ، خطوط الأنابيب والتصدير ، خصوصًا في الغاز.
والجدير بالذكر، وكالة معلومات الطاقة الأميركية حذرت سابقًا من أن ليبيا قد تواجه نقصًا في الغاز محليًا إذا لم تحصل على الاستثمار الأجنبي اللازم لتطوير المشاريع ، أي أن الغاز الليبي يمكن أن يكون فرصة مزدوجة:
تأمين السوق المحلي وتصدير الفائض إلى أوروبا.
وهذا يعطي ليبيا ورقة استراتيجية قوية جدًا.
- ماذا عن الوضع الدولي المتأزم؟
المفارقة أن الأزمة الدولية يمكن أن تكون خطرًا وفرصة في الوقت نفسه.
إذا استمرت أوروبا في البحث عن مصادر طاقة قريبة ومتنوعة، فإن الموقع الليبي يصبح أكثر أهمية.
ليبيا تقع أمام أوروبا مباشرة تقريبًا، وبالتالي فإن برميل النفط أو وحدة الغاز الليبية تتمتع بميزة جغرافية مقارنة بإمدادات تحتاج إلى مسافات بحرية طويلة.
لكن المستثمر لن يقول:
«العالم يحتاج النفط والغاز، إذاً سأستثمر في ليبيا.» ، بل سيقول:
«العالم يحتاج النفط والغاز، فأين أجد أفضل عائد مقابل المخاطر؟»
وهنا تدخل ليبيا في منافسة مع الجزائر، مصر، العراق، الخليج، غرب أفريقيا، البرازيل، غويانا وغيرها.
والاستثمار العالمي لا يعاني من نقص الفرص.
رأس المال هو الذي يبحث عن المكان الأفضل.
- لذلك أرى أن ليبيا يجب أن تغير خطابها الاستثماري
بدلًا من
«لدينا أكبر احتياطيات ولدينا مناطق استكشاف واعدة.»
تقول للشركات:
«نحن نقدم لك احتياطيًا كبيرًا وتكلفة إنتاج منخفضة وقربًا من أوروبا وبنية تحتية موجودة وعقدًا مستقرًا وتحكيمًا دوليًا وحماية أمنية ونظامًا ماليًا واضحًا والاهم إمكانية تحويل الأرباح.»
هذه هي الحزمة التي تجعل المسؤول الاول للشركة الاجنبيه الكبرى يقول: دعنا نستثمر في قطاع النفط والغاز الليبي
- وهل تستطيع ليبيا الوصول إلى مليوني برميل يوميًا؟
نعم نظريا، من الناحية الفنية والجيولوجية أعتقد أن الرقم ممكن ، لكن السؤال ليس:
هل تستطيع ليبيا إنتاج مليوني برميل؟
بل: هل تستطيع ليبيا بناء البيئة السياسية والمؤسسية التي تسمح باستثمار عشرات المليارات للوصول إلى مليوني برميل والمحافظة عليها؟
وهذا أصعب بكثير.
فالهدف الذي تتحدث عنه مؤسسة النفط ، هو الانتقال من نحو 1.4 مليون برميل يوميًا إلى مليوني برميل بحلول 2030، مع حاجة استثمارية تصل إلى نحو 40 مليار دولار بحسب تقرير حديث لـFinancial Times.
المورد موجود، والمال موجود عالميًا والتكنولوجيا موجودة والسوق موجود.
العنصر الناقص هو: الثقة. والإدارة الكفؤه، واحترام القوانين، والالتزام بالمواعيد
وأعتقد أن هذه هي الخلاصة الأهم
ليبيا ليست دولة «غير صالحة للاستثمار النفطي».
بل على العكس: ليبيا من أكثر المناطق التي يمكن أن تكون جذابة استثماريًا إذا تم تخفيض المخاطر السياسية والمؤسسية.
لكنها حاليًا تشبه مشروعًا نفطيًا بعائد ممتاز ومحاط بعلاوة مخاطر مرتفعة جدًا.
ولهذا السبب تحديدًا نرى شركات مثل Chevron وEni وRepsol وQatarEnergy تدخل، ولكنها لا تدخل بكل ثقلها دفعة واحدة.
الشركات تختبر ليبيا أولًا. وإذا أثبتت ليبيا خلال 3–5 سنوات أن:
- العقود محمية،
- الإنتاج مستقر،
- الأمن مستقر،
- الأموال تتحرك،
- النفط لا يُستخدم كسلاح سياسي،
- الدولة تفي بالتزاماتها،
- والبيئة القانونية قابلة للتنبؤ،
- وادارة في مستوى الاستثمار
فإن الجولة الحالية يمكن أن تكون بداية عودة حقيقية للشركات الكبرى، وليست مجرد جولة تراخيص أخرى.
أما إذا بقي الانقسام السياسي والأمني والمؤسسي كما هو، فلن تنفع حتى أكثر الحقول الواعدة في العالم في جذب الاستثمار بالحجم الذي تحتاجه ليبيا.
وبصراحة، أرى أن المعركة الحقيقية في ليبيا ليست معركة العثور على النفط والغاز؛ بل معركة جعل رأس المال العالمي يثق بأن النفط والغاز اللذين ستكتشفهما الشركة اليوم يمكنها أن تستخرج عوائدهما بأمان بعد 15 أو 20 سنة.
والله من وراء القصد




